على سبيل البدء:

تعدّ دراسة الحضارات من أخصب ميادين الفكر، ذلك أنّ البحث في حضارة أمّة ما وتراثها وماضيها يساعد الباحث على الانطلاق إلى آفاق التجديد والإبداع؛ فالحضارة تكشف عن ذاتها بصورة مستمرة في الوعاء الثقافي للأمة، لأنّ الثقافة هي ذلك الكل المركّب الذي يشمل المعرفة والعقائد والفن والأخلاق والأعراف وكل القدرات والعادات الأخرى التي يكتبها الإنسان من حيث هو عضو في المجتمع، ووفقاً لهذه الفكرة يمكن القول: إنّ حضارة الأمّة تبدو في كلّ منجزاتها العقلية والجمالية والمادية ومظاهر الحياة الاجتماعية والاقتصادية والتربوية واللغوية والتشريعية، وما يسود من معايير وقواعد أخلاقية[1].

إنّ التواصل الثقافي الحضاري بين المجتمعات الإنسانية يستدعي من الثقافة الواحدة أن تأخذ وتعطي من مجموع الثقافات الإنسانية الأخرى، تأخذ ما يتفق مع طبيعة مجتمعها، وتعطي ما تجود به نوعيتها ونشاطها الفعال، حيث تتفاعل الحضارات والثقافات المختلفة مع بعضها البعض قصد إشباع حاجات الإنسان الفكرية والمادية. “والذي لا شك فيه أنّ الحضارة العالمية وتطورها في مراحل عبر تاريخ الإنسان ذاته، ينظر إليها كنتاج لتفاعل حضارات مختلفة، نشأت وازدهرت في بقاع مختلفة من العالم، ولهذا السبب أيضاً، فإنه غالباً ما ينظر إلى الحضارات المختلفة على أنها في اتصال كحلقات السلسلة الواحدة.[2]

ومن المسلم به أن لكل شعب ثقافته الخاصة به التي ينسجم معها، انطلاقًا من قيمها وعاداتها ورموزها بوصفها خصائص تنمو من خلال تفاعل العلاقات الاجتماعية بين الأفراد، مما يؤدي إلى نمط حياتي يخص هذا المجتمع أو ذاك، يسهم في نموها وتطورها حتى ترقى إلى مستوى التأثير والإعجاب. لذلك، نقر بأن الأمة العربية تختزن ثقافة شعبية غنية يمكن التزود بها، إن لم نقل التسلح بها لمواجهة أي غزو ثقافي، فإذا كانت الثقافة الغربية اجتذبتنا بتطورها التقني إلى درجة الانبهار والإعجاب، فإنه من الواجب علينا أن نطور من ثقافتنا باستثمار نصوصها وفق ما يتماشى مع طبيعة المرحلة التي نعيشها اليوم، وذلك بغرض تشييد نوع من التكافؤ بين الثقافات، وبالتالي يتحقق فعل التثاقف، إذ إن المثاقفة هي الوسيلة التي تسمح بالاستفادة والإفادة من الثقافات الأخرى، وليس هيمنة ثقافة على أخرى، أو ما يسمى بالانتشار الثقافي، إذ تصبح الثقافة الواحدة هي السائدة، بسبب الانبهار والإعجاب بالثقافات الأخرى، وهو ما يؤدي إلى الانهزام الثقافي الذي يسمح بالغزو الثقافي.

وبما أن ثقافتنا الشعبية هي الثقافة الأكثر تعبيرًا عن تفاعلات الحياة اليومية بوصفها ثقافة تنبع من الذات وتتجه نحو الذات، فإن شروط العصر بكل تحولاته تفرض علينا اليوم أن تخرج هذه الثقافة بكل أشكالها التعبيرية من دائرة الذات لتتجه نحو الآخر، حتى يطلع عليها ويعرف مضمونها وخصوصيتها، وهذا لا يتأتى إلا باستثمار النصوص وتطويرها وفق ما يقتضيه العصر، وبهذا قد يتحقق بعض التكافؤ بين الانبهار بالتقدم التقني والإعجاب بأشكال التعبير في الثقافة الشعبية، التي لا تخلو من إعجاب وإثارة تثير بال الآخر، لينبهر بها ويجد نفسه يكررها ويمارسها في حياته اليومية، وبهذا تكون ثقافتنا الشعبية أدت دورًا مزدوجًا؛ تَمّثل الأول منها في الحفاظ على الخصوصيات الأصيلة لهذه الثقافة، وأصبح الثاني واجهة لثقافتنا عند الآخر، وبدل أن نعيش في دائرة الانبهار الثقافي الذي يؤدي إلى الغزو الثقافي، فإننا نمارس تبادل الثقافات بنوع من التكافؤ.[3]

وعلى هذا الأساس، وجب استثمار الحكي الشعبي كفعل سردي لأحداث حقيقية أو خيالية لإظهار ثقافتنا الشعبية وبيان ما تختزنه من مقومات أخلاقية وتربوية في ذاكرة أشكال التعبير الشعبي عموما والحكاية الشعبية خصوصا؛ بوصفها مقومات قادرة على إعادة نشر القيم الإنسانية النبيلة التي غيّبها فعل الانتشار الثقافي.

وعلى الرغم من أن أشكال التعبير الشعبي كثيرة، وتسند إلى رواة، فإنها تواجه اليوم صعوبات في عرضها وتناولها بشكل يليق بها حتى تؤدي مهمتها المنوطة إليها. فأمام ظهور وسائل إعلامية من تلفزيون وراديو، بدأت هذه الأشكال تختفي وتتراجع لتحتويها أشكال فنية حديثة من قصص وروايات ومسرحيات وما إلى ذلك من الأشكال التعبيرية. ومع تطور وسائل التواصل الرقمية، أصبح لزاما ضمان استمرار هذا اللون الحكائي عبر حفظه وتخزينه ونقله مع الانفتاح به على الخارج وتسويقه في الداخل، وبالتالي حمايته من الطمس والتشويه.

لقد حاول الاستعمار الغربي طمس جزء كبير من التراث الشعبي في عدد من البلدان المحتلة، مستهدفا الهوية الوطنية على اعتبار أن التراث المحكي كان يختزن عقلا جماعيا وثقافيا للمجتمع، مما ساهم في خلق قطيعة بين الشعوب وتراثها. غير أن تطور الوسائل السمعية البصرية أولا، والإنترنيت وتطبيقاته المختلفة ثانيا، حفّزت على نقل الحكي الشعبي من النمط الشفهي إلى التخزين الرقمي، الأمر الذي زاد من الاهتمام بالثقافات المحلية التي كانت في الأصل هدفا لثقافة مركزية معولمة، حيث أصبح الحكاؤون الجدد يسعون بجهد حثيث إلى عرض أشكال حكائية متنوعة تبرز ثقافتهم المحلية إلى الواجهة قصد تفاعلها مع الثقافات الأخرى، وبالتالي تضمن لنفسها الاستمرار وحمايتها من الاندثار.

ولأن المجال لا يسعنا لتناول كل أشكال التعبير الشعبي بالعرض والدرس، اكتفينا بالوقوف عند الحكاية الشعبية، بوصفها ذلك النوع الأدبي الشعبي المتميز عن باقي الأشكال الشعبية الأخرى أولا، ولأنّها احتلت مكانة خاصة في ثقافتنا الشعبية، إن لم نقل ظلت سدّا منيعا أمام أي انتشار ثقافي.

1- الحكاية الشعبية:

لا شيء يلغي الحكاية، الحكاية موجودة دائما، لكن ما يهمّنا، هو لماذا الحكاية مهمّة جدّا؟

الحكاية الشعبية نوع متميز عن بقية أنواع الأدب الشعبي الأخرى؛ فبالعودة إلى المعاجم الأجنبية وخاصة الألمانية التي حفلت بشكل خاص بالثقافة الشعبية، بأنها الخبر الذي يتصل بحدث قديم، ينتقل عن طريق الرواية الشفهية، من جيل إلى آخر، أو هي خلق حرّ للخيال الشعبي، ينسجه عن حوادث مهمة وشخوص ومواقع تاريخية. أما المعاجم الإنجليزية، فتعرفها بأنها حكاية يصدقها الشعب بوصفها حقيقة، وتتطور مع العصور، وتتداول مشافهة وتختص بحوادث أو بأبطال فاعلين في التاريخ.[4]

والحكاية -فوق ما تقدم من تعريفات- هي نص شعبي يحتضن كل الأحداث والمشاعر الإنسانية، اشتق لغويًا من المحاكاة والتقليد، وأصبحت نصّا يحاكي الواقع في كل مستوياته، بما في ذلك الواقع النفسي الذي يمزج مادته الحكائية بين خيال واقعي وواقع خيالي، يؤسس لعوالم نصية تقوم على السحر والأسطورة والكنوز الخفية، ويرسم بوضوح ثراء الثقافة الشعبية بخيالها وواقعها، مع الحفاظ على الحدود الزمانية التي تربط الحاضر بالماضي البعيد واليوم بالأمس.

ولما كانت الحكاية الشعبية جزءًا لا يتجزأ عن الأدب الشعبي، فإنها عادة ما تعبّر عن بيئة اجتماعية بما تحمله هذه البيئة من ميزات فنية وأدبية وصور أخلاقية وفلسفية وطقوس دينية، إذ تقدم على ضوء هذا صورة اجتماعية، غالبًا ما تكون الغاية من موضوعها الإصلاح والتوجيه والدفاع عن الحياة، حتى وإن احتوت على معتقدات ونزعات الإنسان البدائي بسلوكياته ومعتقداته التي تركن إلى السحر والغيب، وكل ذلك في سبيل معالجة قضايا الإنسان وتوجيهه نحو غاية أخلاقية وتربوية.[5] غير أن السؤال الذي يؤرقنا حسب الوظيفة التي تؤديها الحكاية الشعبية، هو:

هل يمكن للحكاية الشعبية الصمود أمام التطور التكنولوجي والمعرفي المتراكم؟ هل يمكن للراوي معاندة المحكي المتكنج[6]؟

إن الحكاية الشعبية في نصوصها الأصيلة تقوم على غاية قوامها التربية والتوجيه والتطهير، وعلى الراوي، لكي تصمد وتثبت وجودها، أن يطور هذه الغاية، ويجعل من حكايته محكيًا قادرًا على الجذب والإثارة، وينتقي لغة حكائية تستجيب لشروط العصر، عصر أصبحت الإنسانية تعيش فيه واقعًا منافيًا لروح الإنسانية التي يمكن للإنسان أن يكون فيها إنسانًا؛ فالإنسان اليوم أمام قوة الآلة وتراكم التقنية، تراجعت أخلاقه، وبات يلهث وراء الربح المادي بأية وسيلة، وانتفت قيم المساواة والعدالة والمحبة، ولعل الحكاية الشعبية التي تضطلع بدور الوعظ والتوجيه عليها أن تعيد الإنسان إلى جادة الصواب عبر التطهير النفسي، وتذكره بالقوى الخارقة التي تفوق حدود العقل وقوة التقنية؛ فالراوي يجر السامع إلى الاعتقاد بأن ما يجري لا يتجاوز حدود الممكن والواقع، فيصوغ حكايات تمتح مادتها من الغريب والعجيب، لتصبح المادة تعبيرية لا تتناقض مع المألوف، بل تدفع السامع إلى الشعور بمزيد من الرغبة في الاستماع، فبفضل “الجو الخرافي الأسطوري وخلط التواريخ والتكرار ومتعة الحكي والحوار الذاتي لا يجتذبنا واقع الحكاية كنص فقط، وإنما تجتذبنا حكاية الواقع بكل ما يحمله من فواجع وآمال. ولاستثمار الحكاية بوسائلها المثيرة والمحيرة، نستحضر حكاية من حكايات “ألف ليلة وليلة” كنموذج حكائي قديم ولكنه يختزن من القيم الإنسانية التي نحن في أمس الحاجة إليها اليوم، وبالتالي فملامسة أيّ قديم بنّاء هو محاورة تقود إلى تصحيح الحاضر ونشدان المستقبل.

2- حكايات ألف ليلة وليلة:

يعد كتاب ألف ليلة وليلة واحدا من كتب التراث الإنساني الزاخرة بالحكايات التي وظف رواتها العجائبي بشكل مكثف، قصد شد الانتباه وبعث المتعة في النفوس؛ وذلك لما فيها من خيال خصب لا يبتعد عن الواقع إلا بما تتطلب منه أساسيات فن الحكي؛ وهو إضافة إلى ذلك ينطلق من الواقع ليصب فيه؛ فهو مجموعة من الحكايات والنوادر والأخبار المسلية التي روتها شهرزاد ليلا على عريسها شهريار الملك الذي هزته الخيانة الزوجية، فزعزعت ثقته بالنساء، ودفعته إلى الانتقام منهن، ومن ثمة لم يتردّد في سفك الدماء وقتل العذارى. لقد قرر شهريار، بعد أن وجد زوجته تخونه في فراشه، أن يأخذ بنتا بكرا كلّ ليلة، ليتزوجها ثم يقتلها من ليلتها، ظنا منه أن في ذلك خلاص من غدر النساء، جاء في الليالي: “ثم إن الملك أمر الوزير بأن يأتيه ببنت على جري عادته، فخرج الوزير وفتش فلم يجد بنتا، فتوجّه إلى منزله، وهو غضبان مقهور خائف على نفسه من الملك، وكان الوزير له بنتان ذا حسن وجمال وقد وبهاء واعتدال، الكبيرة اسمها شهرزاد والصغيرة اسمها دنيا زاد؛ وكانت الكبيرة قد قرأت الكتب والتواريخ وسير الملوك المتقدمين”.[7]

قررت شهرزاد مواجهة شهريار بالحكاية التي اتخذت منها سلاحا يضمن لها حياتها، حيث طلبت من والدها الوزير السّماح لها بالزواج من الملك شهريار، مدركة أن الجسد وحده لا يجدي معه، وهو الذي يكون قد ملّ الأجساد، إذ أعدت عدتها بالفكر والثقافة، واعتمدت الفطنة والدراية والمعرفة الواسعة. وهكذا بدأت تشتغل بعدتها متوسلة بالحكي أمام شهريار، تروي له كل ليلة حكاية تفعل فيه فعل السحر والدواء لتسدّ رمقه وتحده عن سفك الدماء وقتل العذارى، فكانت تقدم له حكايات تتحدث عن وفاء النساء وذكائهن، لم تكن شهرزاد تزعج ملكها بالمواعظ والنوادر المباشرة، بل كانت تروي له حكايات مشوقة أيقظت فيه ولعا بهذا الفن ـ فن الحكي ـ ولمدة ألف ليلة وليلة.[8]

ويجدر التنبيه إلى أن الليالي تضمنت حكايات ذات معنى أخلاقي، ورد على شكل موعظة أو عبرة، وهي حكايات غنية ومتنوعة يمتزج فيها الواقعي بالمتخيل، وتحتوي على قصص الحب والمغامرة والصور الفلسفية والأخلاقية؛ علما أن الليالي ترتكز في مضمونها على حكاية جوهرية واحدة، هي حكاية القمع الجنسي والجسدي والاجتماعي في العصور العربية الوسطى؛ قمع المرأة واحتقارها، وتأتي شهرزاد لتواجه هذا الأسلوب القمعي وتتمكن من البقاء والاستمرار[9].

وتزدحم الليالي بنماذج بشرية كالملوك والتجار والنساء والحرفيين والفقراء، وتتجلى العلاقات العامة في المعاملات التجارية، إذ يتبادل التجار في ما بينهم المعلومات والأخبار عن حركة التجار والتنقل، ولا يخرج التاجر في الليالي عن التاجر الذي عاش في الحواضر العربية خلال العصر الوسيط.

من جهة أخرى، ترتبط أحداث الحكايات من مغامرات ومخاطر بالمرأة التي كان لها حضور قوي. فالمرأة، إما ملكة أو جارية أو جنية أو عجوز، فإذا كانت المرأة شابة جميلة، أتقن الراوي ذكر محاسنها، بالإضافة إلى الكنوز التي تحضر في الحكايات بشكل يلعب دورا خارقا في نقل البطل من حالة فقر إلى حالة غنى تعبيرا عن تحقيق التوازن بين الغني والفقير.

لقد روت شهرزاد حكايات احتوت على بعض مواصفات الممكن الواقعي، ولما كانت أغلب الحكايات يتسم بالخارق والعجيب، فإن ذلك يقود المتلقي إلى الاعتقاد بأنه يسمع عن واقع مجهول وغريب، وعندما يصادف عناصر واقعية، فإن ذلك يقوده إلى التسليم بأنه يسمع عن عالم ليس غريبا عنه، حتى وإن تضمنت الحكايات في شكلها الظاهر ضربا من المبالغة؛ ففي كلّ مكان كان الراوي يمزج بمهارة لحمة الغامض والمستحيل بسداة الفعلي والمحدود؛ أي أن رقاص سردها يتحرك إلى الأمام وإلى الخلف بين الواقعي والمثالي، بين الحقيقة المحدودة بوضوح وبين الفكر غير المقيد.[10]

لقد اعتمدت شهرزاد، فوق ما تقدّم، إسهابا قصصيا حيّر بال الملك شهريار، وزودته بتجارب أكثر متعة، وجلبت انتباهه من خلال عرضها لوقائع خارجة عن حدود العقل، حيث المجهول المليء بالمخاطرة والمجازفة، وكلّما كانت المشاهد غزيرة بالخيال والخوارق، كلما تضاعفت المتعة. ومن ثمة استطاعت شهرزاد بفعل الحكي العجيب ضمان البقاء على قيد الحياة وإنقاذ بنات جنسها من الموت، وفي هذا فعل بطولي أسست له شهرزاد بالحكي والشجاعة وحب الذات والفكاهة المسلّية، ليتجلى “العجيب في صلب العادي، وشبيه الأشياء المعتادة في المتسولين المدهشين والقضاة واللصوص والقصور المسحورة، والصور الممتلئة باللون والأجواخ، هنا دفئ الأحاسيس وتحذيرات إلى الأغنياء، وإنسانية للأكثر سعادة، وأمل للتعيس”.[11]

ففي ظل هذه التناقضات القائمة في الحكايات، استطاعت شهرزاد أن تعوض فعل الموت بفعل الحكي؛ وأصبحت الحكاية تعادل الحياة؛ فهي تروي الموت كي لا تموت، فتحدثت عن الخطيئة والحب والمغامرة، حتى تطهر نفسية شهريار من التلذذ بموت العذارى، وتعوض عشقه للدم بالرضى والإشباع، ليبقى فعل الحكي امتصاصا لشعور الإحباط إزاء الهزيمة والموت. فإذا كان شهريار يسعى إلى الهيمنة على العالم حتى ولو كلفه ذلك نهاية الإنسانية، فإن شهرزاد قاومت بالحكاية العجيبة كي تنسي شهريار حياة الشقاء والخيانة الزوجية، حيث أدرك عبر الحكاية أن قوة جديدة تدفعه نحو المعرفة والحقيقة، إذ لم يعد يعنى بالواقعي وسفك الدماء، بقدر ما أصبح يتشوق إلى معرفة مصير أبطال الحكايات. وهكذا استطاعت شهرزاد تطهير الملك الغاضب من انفعالاته النفسية، فتحدثت له عن الخيانة وعقاب الخائن، لتثير في نفسه الرحمة والعطف، والدفع به نحو فعل الخير والعطف على الضعفاء ومراعاة المساواة.

والجدير بالملاحظة، أن شهرزاد لم تستطع مخاطبة شهريار بشكل مباشر عن تصرفاته، ولم تستطع نهيه عنها، لذلك تجاوزت الحدود المنيعة، وصاغت خطابها في شكل حكايات تصب في العجائبي لإثارة الرعب والرحمة[12].

3- حكاية السندباد البحري أنموذجا:

أ- متن الحكاية:

تتضمن حكاية السندباد البحري تمهيدا يربط بين سبع حكايات، رواها السندباد البحري للسندباد البري. كان السندباد رجلا فقير الحال، وكان يحمل أسباب الناس، ونتيجة للتعب والحر، رغب في الراحة بجانب مصطبة، ورد في الحكاية على لسان شهرزاد: “وجلس على جانب المصطبة، فسمع في ذلك المكان نغم أوثار وعود وأصوات مطربة…فعند ذلك تعجب في نفسه وطرب طربا شديدا، فتقدم إلى ذلك البيت فوجد داخله بستانا عظيما ورأى فيه غلمانا وعبيدا وخدما وحشما…وقال سبحانك يا رب يا خالق يا رازق من تشاء بغير حساب”[13]، وبدأ ينشد شعرا حتى سمعه السندباد البري فدعاه للتعرف عليه. ولبيان مصدر هذا الثراء والعيش الكريم، قرر السندباد البحري أن يروي للسندباد البري مغامراته وما لاقاه من أهوال وأخطار؛ فقال له: “يا حمال اعلم أن لي قصة عجيبة وسوف أخبرك بجميع ما صار لي وما جرى لي قبل أن أصير في هذه السعادة، وهذا المكان إلا بعد تعب شديد ومشقة عظيمة وأهوال كثيرة وكم قاسيت في الزمن الأول من التعب والنصب. وقد سافرت سبع سفرات وكل سفرة لها حكاية تحير الفكر وكل ذلك بالقضاء والقدر وليس من المكتوب مفر ولا مهرب”.[14] وهكذا بدأ السندباد البحري يحكي حكاياته للسندباد البري، فتحدث له عن الجزر العجيبة وطير الرخ الذي يحجب نور الشمس، وعن السمك الكبير، والأفاعي الضخمة، وآكلي لحوم البشر؛ كما تحدث عن البلدان النائية وما فيها من أهوال وعجائب. وكان السندباد البري يقدم للحمال في آخر كل حكاية مئة مثقال من الذهب.

ب- التحليل المورفولوجي للحكاية:

تبدأ حكاية السندباد البحري بعرض وضعية بدئية تحدد فضاء الحكاية الزمكاني، “ومما يحكى أنه في زمن الخليفة أمير المؤمنين هارون الرشيد بمدينة بغداد”[15]، ومن حيث الوضع الاجتماعي تضعنا الحكاية منذ البداية عند فئتين اجتماعيتين؛ الأولى ثرية ويمثلها السندباد البحري، والثانية فقيرة ويمثلها السندباد البري؛ “فقال صاحب المكان مرحبا بك ونهارك مبارك، فما يكون اسمك وما تعاني من الصنائع؟ فقال يا سيدي اسمي السندباد الحمال وأنا أحمل على رأسي أحمال الناس بالأجرة، فتبسم صاحب المكان وقال له اعلم يا حمال أن اسمك مثل اسمي، فأنا السندباد البحري”.[16] وتشي هذه الوضعية منذ البداية أن الشخصيتين على الرغم من الفارق الاجتماعي بينهما، فهما يلتقيان في الجنس؛ فكلاهما إنسان، ولهما نفس الاسم، وإن كانت ثمة صفات أخرى تحدد جوهر الاختلاف بين السندبادين، وتكشف عن هذه الصفات وظيفة النأي أو الابتعاد التي فرضها الحكي الشهرزادي، لبيان أسباب السعادة التي يعيشها السندباد البحري، فالأخير واجه المتاعب والمشاق حتى بلغ هذه المستوى الاجتماعي، “فعند ذلك هممت فقمت واشتريت لي بضاعة ومتاعا وشيئا من أغراض السفر، وقد سمحت لي نفسي بالسفر في البحر، فنزلت المركب وانحدرت إلى مدينة البصرة مع جماعة من التجار”[17]؛ ففي هذا الحكي، إعلان عن الخروج والابتعاد، حيث كان البحري يسافر من أجل التجارة، فيلقى ما يلقى من الأهوال والمخاطر، ليتحول من حالة مستقرة إلى حالة متدهورة، وبالتالي يصبح أسير رغبة في إقامة نوع من التواصل مع النجاة، إذ يحاول التخلص من المتاعب. تتلو وظيفة الابتعاد، وظيفة جديدة يطرحها الحكي قصد تمديد السرد، ويتعلق الأمر بوظيفة المنع، فلما كان السندباد رفقة التجار، وأعلمهم ربان المركب بوجود خطر، وطلب منه مركوب المركب وترك أمتعتهم “يا ركاب السلامة اسرعوا واطلعوا واهربوا بأرواحكم وفوزوا بسلامة أنفسكم من الهلاك”[18] خرق السندباد هذا المنع، وبقي فوق ظهر الجزيرة أو السمكة الكبيرة التي تبدو كجزيرة، ولما غاصت السمكة، تعرض السندباد للإساءة، وبالتالي وجد نفسه يفتقر إلى أداة تساعده على النجاة، ولإصلاح الإساءة التي تعرض لها، تمكن من الحصول على قطعة خشبية بقدرة إلهية “ولكن الله تعالى أنقذني ونجاني من الغرق ورزقني بقطعة خشب كبيرة”[19]، وبعد نجاة السندباد من الغرق ووصوله غريبا إلى جزيرة، تظهر شخصية المانح أو الواهب بعد أن استنطقه سايس الملك المهرجان، ولما كان رد فعل البحري إيجابيا، وضع الواهب أداة تحت تصرف البحري، وهي عبارة عن فرس، ليقاد رفقة دليل حتى وصلا مدينة الملك المهرجان، ليصل بنا الحكي إلى وظيفة التنقل بين مملكتين.

تجدر الإشارة إلى أن الحكاية الأولى احتوت وظائف دون أخرى، غير أن غياب وظيفة معينة لا يغير في شيء من بنية الحكاية، حيث تحافظ الوظائف الأخرى على أماكنها، علما أن الحكاية الأولى عملت على تهيئ شخصيات الحكاية الثانية، وهكذا يمكن التعامل مع حكايات السندباد البحري كمقاطع، كل مقطع يتضمن وظائف تقود وفق تطور إلى وظائف أخرى تكون حلا، يقول بروب: “إن الوظيفة الختامية يمكن أن تكون المكافأة أو الحصول على موضوع البحث، او عموما إصلاح الإساءة والنجدة والسامة أثناء المطاردة، سنسمي هذا التطور مقطعا séquence وكل إساءة جديدة أو اضرار، وكل نقص أو حاجة جديدين يفسح المجال لظهور مقطع جديد”[20]، وهكذا تعلن الحكاية الثانية عن شعور السندباد بالنقص حين وجد نفسه وحيدا من جديد “فتركوني في الجزيرة وحدي أتلفت يمينا وشمالا، فلم أجد بها أحدا غيري، فحصل عندي قهر شديد ما عليه من مزيد وكادت مرارتي تنفقع من شدة ما أنا فيه”.[21]

تؤدي وظيفة النقص معنى مهما في سياق مجرى الحكاية، بوصفها تساعد على تحريك أحداثها؛ ينطلق السندباد وسط الجزيرة باحثا عن تعويض النقص، حيث ظهر فجأة طير الرخ كناقل جوي ساعد السندباد على الانتقال من الجزيرة إلى جبل الألماس، وبالتالي تتحول أحداث الحكاية من إطارها الأولي إلى إطار آخر تشكل من أوصاف جديدة تتمثل في الحيات الضخمة التي تسكن جبل الألماس، ومع هذا لم يتردد السندباد ولم يتوان عن البحث بغية تعويض النقص، ليلتصق بنسر حمله إلى قمة الجبل، حيث التقى بالتجار من جديد، فقدم لهم بعض أحجار الألماس في شكل هبة حمدا على سلامته من الحيات” وأنا فرحان غاية الفرح بسلامتي ونجاتي من وادي الحيات”.[22] ولما استطاع تعويض النقص، تمكن من العودة، “ثم جئت إلى مدينة بغداد”.[23]

والتصريح بالعودة هنا، لا يعني التوقف عن الحكي والانتهاء منه، بل إن الراوي يحاول قدر الإمكان تجنب كل العوائق التي يمكن أن تحد من لذة التشويق؛ ففي السفرة الثالثة، وبدافع الشوق إلى المغامرة، يخرق السندباد المنع مرة أخرى، ويخرج للسفر، ويواجه مشاق أخرى كان منها “وجاءتنا القرود وأحاطت بالمركب من كل جانب، وكانت شيئا كثيرا مثل الجراد”[24]؛ فقد لعبت هذه القرود دور المعتدي، حيث ألحقت أضرارا بالتجار وأمتعتهم، وعلى الرغم من أن السندباد حاول التخلص من الإساءة الأولى أي إساءة القرود، إلا أنه اصطدم مع جماعة من أصحابه بإساءة أخرى ومن نوع آخر، كائن عجيب في صفة إنسان، فهو “كالنخلة العظيمة وله عينان كأنهما شعلتان من نار، وله أنياب كأنياب الخنازير، وله فم عظيم الخلقة مثل البئر وله مشافر مثل مشافر الجمل مرخية على صدره وله أذنان مثل الحرامين مرخيتان على أكتافه وأظافر يديه مثل مخالب السبع”[25]، وكان من اعتداء هذا المخلوق أن يأخذ واحدا كل ليلة يعذبه فيشويه ثم يأكله، غير أن السندباد لم يستسلم وإنما فكر في رد فعل مع جماعته للتخلص من المعتدي، “اسمعوا يا إخواني إن كان لا بد من قتله فإننا نحول هذا الخشب وننقل شيئا من هذا الحطب ونعمل فلكا مثل المركب”[26]، بل دخل السندباد في صراع مع المخلوق الذي ألحق الضرر والإساءة بالمجموعة، غير أن استطاع التخلص منه بواسطة الحيلة، ليدخل معه في مطاردة، وأدى هروب السندباد إلى الوقوع في مهمة صعبة اخرى تمثلت في مواجهة ثعبان كبير وقف حجر عثرة في طريق البحري، غير أن الحيل التي كان السندباد يفكر فيها تخرجه من المآزق التي يقع فيها، وأحيانا تساعده القدرة الإلهية في ذلك، إذ كانت الاخشاب حائلا بين الثعبان والسندباد”، وكلما أراد الوصول ليبتلعني تمنعه الأخشاب المشدودة علي من كل جانب”[27]. وبعد الصراع والمواجهة، استطاع السندباد إصلاح الإساءة التي لحقت به عبر واهب أو مانح تمثل في مجموعة من الناس التي قدمت له يد العون والمساعدة “قدموا شيئا من الزاد، فأكلت حتى اكتفيت وسقوني ماء عذبا، فانتعش قلبي وارتاحت نفسي”[28].

وإذا كان البطل غالبا ما يصل -حسب بروب- متنكرا إلى بيته أو قطر آخر، فإن السندباد يعرف بنفسه منذ البداية، ويكشف عن شخصيته “وقلت له يا ريس السلامة اعلم أني السندباد البحري ولم أغرق”[29]، ولتعزيز ذلك، قدم له بعض حجر الألماس الذي سبق أن أعطى منه لجماعة من المسافرين” فتحقق أني السندباد البحري فعانقني وسلم علي وهنأني بالسلامة”.[30]

وعلى الرغم من أن السندباد حظي بالسلامة والعودة والتعرف عليه، فإنه في السفرة الرابعة جرب الموت وعاشه” وأنزلوني في ذلك البئر، فغذا هو مغارة كبيرة تحت ذلك الجبل”[31] غير أن القدر تدخل لإنقاذه من الموت، حينها استجمع السندباد قواه، واسترجع أنفاسه، وحاول تعويض النقص الذي لحقه بجمع أموال الموتى. أما في الحكاية الخامسة، فإن أهم وظيفة اشتملت عليها، هي تمكن المعتدي من إلحاق الإساءة بالسندباد” وأشار إلي بيده يعني احملني على رقبتك وانقلني إلى هذا المكان إلى جانب الساقية الثانية”[32] وهكذا السندباد لفعل المعتدي وفق وظيفة التواطؤ، وينفذ ما دعاه إليه، ومع هذا حاول البحري القيام برد فعل والدخول في صراع مع المعتدي، انتهى بانتصار السندباد” فما صدقت أن خلصت نفسي ونجوت من الأمر الذي كنت فيه، ثم إني خفت أن يقوم من سكره ويؤذيني فأخذت صخرة عظيمة من بين الأشجار وجئت إليه فضربته على رأسه، وهو نائم فاختلط لحمه بدمه”.[33]

ويجدر التنبيه إلى أن الحكاية السادسة قدمت وصفا عجيبا لمجموعة من الظواهر الغريبة، وهي تقنية سردية استندت إليها شهرزاد لإثراء السرد وتكثيفه قصد توليد لذة التشويق؛ فالوقوف عند إساءة واحدة يعني ضمنا نهاية السرد، وهو أمر لا يرتضيه الراوي، إذ يبحث لنفسه عن حكاية جديدة لضمان استمرار الحكي؛ لذلك يعمل على استحضار تطور جديد للعقدة، وهو ما يظهر في استئناف الحكي عبر الحكاية السابعة التي انطلقت من إساءة لحقت بالتجار، وكان الحوت الكبير فيها هو المعتدي، والذي حاول البحري التخلص منه وإصلاح الإساءة عبر جهد وإعمال للعقل” ثم إني نزلت في ذلك الفلك وسرت به في ذلك النهر حتى خرجت من آخر الجزيرة”.[34] ويتوج إصلاح الإساءة بتدخل الواهب الذي وفر للبحري جوا من الراحة والهناء” وأنا على أكل وطيب وشرب طيب ورائحة طيبة حتى ردت لي روحي وسكن روعي”[35] ثم زاد من هذا الوضع اقتراح الواهب على البحري الزواج من ابنته” وعندي بنت صغيرة ظريفة الشكل لها مال كثير وجمال، فأريد أن أزوجها لك”[36]، وهكذا يتم تعويض الزوجة التي فقدها في نهاية الحكاية الرابعة.

يتضح مما سبق، أن الحكايات السبع، قدمت وجها من أوجه العجائبي، حاول فيه الراوي أن يقدم إساءات متعددة قصد الإسهام في ولادة التشويق وذلك عبر التكرار بلغة بروب.

لقد تضمنت حكايات السندباد حقلا من القيم الإيجابية مثل العدل والإحسان ومد يد العون، ضدا على القيم السلبية من ظلم وسرقة واعتداء؛ ففي الحكاية الثانية مثلا، كان نوع من التوافق الودي والتعاقد بين السندباد والتاجر، وذلك عبر اقتسامهما حجر الألماس. كما صور الراوي في قالب عجيب اختلاف القيم والتناقض الأخلاقي والعقائدي بين السندباد والكائن المفترس؛ وفي ذلك تعبير واضح على الصراع القيمي بين المسلم وغير المسلم؛ فالعمل الذي يقوم به الكائن المفترس (أكل البشر) يتنافى تماما مع منطق القيم الخلقي في المجتمع العربي الإسلامي. ويعد انتصار السندباد على مثل هذا الكائنات (الكائن المفترس – الثعبان – شيخ البحر…) انتصارا قيميا، انتصرت فيه قوى الخير على قوى الشر. ومهما كانت المخاطر التي واجهها السندباد، فإنه غالبا ما يسلم نفسه إلى الإرادة الإلهية التي أسندته دوما؛ لذلك كان السندباد كلما عاد إلى أهله واستقر بينهم، وابتعد عن المخاطر، فإنه لا يتخلى عن الضعيف واليتيم، إذ يمد لهما يد العون والمساعدة. وكلما كان السندباد في وضعية مزرية واجهها بالعمل والتفاني فيه؛ لذلك “فإن أولئك الذين يتحملون بجلد وقع المحنة الشديد، لا يمكن أن يكونوا متغطرسين عند إشراقة الثروة”.[37] ومن ثمة ندرك أن مفاد الحكايات هو أن مصدر السعادة لا يتأتى إلا عبر الكد والشقاء، وإن تضمنت الحكي العجيب بكل أشكاله المثيرة والمحيرة للبال؛ فهو وسيلة مثيرة تشد انتباه السامع وتثير باله مما يسمعه عن عوالم أخرى تشمل الإساءة والضرر كما تشمل العون والمساعدة عبر ذكر مخلوقات فوطبيعية وأماكن خارجة عن حدود الخيال؛ فالأفاعي والألماس مثلا، تشي بأن الوصول إلى الثراء ليس بالأمر السهل بل يقتضي مجازفة ومغامرة. ومن ثمة، فإن تصحيح الواقع بما فيه أمر صعب، لذلك عمد الراوي إلى انتقاء مثل هذه الأشكال العجيبة واستثمرها في الحكي بوصفها غير واقعية، تنقل العقل من المنطقي إلى الخيالي، يسبح فيها بما يملك من قدرات، بل أحيانا يعجز المتلقي على إدراك ما هو فوق عقلي، وينتهي به الأمر إلى التسليم أن ثمة قوى خارقة قادرة على تصحيح الواقع المرفوض.

على سبيل الختم:

تختزن ثقافتنا الشعبية عددًا كبيرًا من نصوص الأدب الشعبي، فإلى جانب الحكاية ثمة أغانٍ شعبية وأمثال وأحاجي وسير، وهي نصوص لصيقة بطبقات الشعب بوصفها الوسيلة التعبيرية التي تتخذ منها الحكمة والعبرة في توجيه سلوكها اليومي، بل هي الثقافة التي تقوم وتهذب حياة الناس وتطهر نفوسهم من كل عنصر خارج عن الذات. إنها ثقافة الفطرة التي نحن في أمس الحاجة إليها، وهي ثقافة الفطرة، لأنها تنبع من الذات وتتجه نحو الذات لتقويمها وتهذيبها.

ولأن الشعب تربطه علاقات حسية شعورية، فإنه غالبًا ما يتلمس مثل هذه الأشياء في ثقافته الشعبية التي تنقله بنصوصها المختلفة من عالم التوتر والتناقض إلى عالم الهدوء والشمولية، ولعله في انتقاله هذا يغذي نفسه بتطهير داخلي مادته القيم النبيلة التي لم تعد حاضرة، بل هي في اختفاء مستمر أمام زحف الماديات الذي غطى القيم الإنسانية، وبدل أن يكلف الإنسان نفسه جهدًا في سبيل الحفاظ على قيمه التي تحتفظ بهويته انجرف وراء الماديات التي فرضتها المدنية الحديثة، وبدل أن يحافظ على ثقافته الفطرية التي تمنحه كيانه في البيئة التي ينتمي إليها، وتجعل منه فردًا فاعلاً في تقويم العقل وتهذيبه أولاً وتنميته ثانيًا، توجه إلى الاهتمام بصنوف حديثة من أشكال الإلقاء والحركة التي فرضتها فضائيات ما بعد الحداثة.

إن الأدب الشعبي ينطلق من الذات وينبع منها، ينبع من الوعي المشترك بين أفراد الشعب من اللاشعور الجمعي الذي تصدر عنه الأفعال والتعبيرات الواعية التي لا يمكن إدراك مغزاها إلا إذا بحثنا عن جذورها الباطنية؛ فأشكال التعبير من سيرة ومثل وحكاية ولغز وشعر شعبي وما إلى ذلك، كلها أنواع أدبية تمتح من حقل شعبي، غير أن بعضها يختلف عن البعض الآخر، وإن كانت صفة الشعبية تجمع بينها، والسبب هو أن كل شكل تعبيري ينبع من مجال محدد..[38]، ولا يمكن لهذه الأشكال التعبيرية أن تتكامل وتؤدي دورها، إلا إذا تم استثمارها بشكل يفيد الشعب الذي أصبح في عصرنا الحالي يجهل الكثير من هذه الأشكال الشعبية، وهذا لا يتحقق إلا بنهج استراتيجية، ليس لإحياء الأدب الشعبي فحسب، بل العمل على تطويره استجابة لشروط المرحلة التي أصبحت تستدعي التحدي.

ومع كل هذا، تظلّ النصوص الشعبية نصوصا ممتعة تختزن ماضينا وتحفظ هويتنا في قصص البطولة والحب والغرام والكرم، ما يشي بحفظ قيم عربية أصيلة أصبحت من تقاليدنا العربية، وقطعة من تاريخنا القومي. يقول عمر أبو النصر: “إنها جميعا قصص البطولة والحب والغرام والغزو والكرم، والحقد والحسد والمكايد والحرب في الصحراء العربية… قصص أصبحت من تقاليدنا العربية، وقطعة من تاريخنا القومي ورثناها عن آبائنا، وألفناها منذ طفولتنا، فكم قرأناها صغارا، وكم استمتعنا بأخبارها وأحداثها شبابا وكهولا وشيوخا لا فرق في ذلك بين غني وفقير، وكبير وصغير… ومن المؤكد أن صغارنا سيقرؤونها، كما قرأناها، وأن شبابنا وكهولنا سيستمتعون بها في مقبلات الأيام، مادامت العربية لغة قائمة، وما ظلت هناك وفي صدر الوجود أمة عربية حية مستقلة ناهضة..”[39]

المراجع المعتمدة

1- ألف ليلة وليلة، حكاية السندباد البحري، الليلة 561، المجلد الثاني، دار العودة، بيروت

2- ألف ليلة وليلة، المجلد الأول، حكاية الملك شهريار وأخيه شاه زمان، المكتبة العلمية الحديثة

3- نبيلة إبراهيم، أشكال التعبير في الأدب الشعبي، دار غريب للطباعة، ط2

4- محسن جازم الموسوي، ألف ليلة وليلة في نظرية الأدب الإنجليزي، الوقوع في دائرة السحر، منشورات مركز الإنماء القومي، بيروت، 1986،

5- ماهر عبد القادر، التراث والحضارة الإسلامية، دار النهضة العربية، بيروت

6- فلاديمير بروب، مورفولوجية الخرافة، ترجمة وتقديم إبراهيم الخطيب، الطبعة الأولى، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، 1986

7- عمر أبو النصر، تغريبة بني هلال ورحيلهم إلى بلاد الغرب وحروبهم مع الزناتي خليفة وما جرى لهم من الحوادث اللطيفة والحروب الهائلة المخيفة….وفيها قصة مغامس مع بنت عمه شاه الريم، وقصة الدبيسي، والبردويل ابن راشد ملك العريش، وقصة جوهر الحبشي، وقصة الملك الفرمند حاكم مصر القاهرة، ونزول بني هلال، ورحيل حسين الجعيزي إلى أرض نجد، وغرق بني هلال في أرض المخضة، واسر الأمير ذياب، وهروب بنو زغبة، وقتل الأمير حسن، وقتل الأمير أبو زيد وغير ذلك من الأخبار العجيبة.. والقصص الغريبة..، دار عمر أبو النصر وشركاه للطباعة والنشر والتوزيع والصحافة، بيروت لبنان، الطبعة الأولى 1971

8- حمادي المسعودي، “العجيب في النصوص الدينية”، مجلة العرب والفكر العالمي، العددان 13و 14، مركز الإنماء القومي، بيروت، ربيع 1991

9- أرسطو، فن الشعر، ترجمة عبد الرحمان بدوي، دار الثقافة، بيروت، لبنان

10- عبد السلام شرماط، الحكي والأسطورة أية علاقة، موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود، 10سبتمبر 2013

11- عبد السلام شرماط، المعتقد الشعبي والديني في أفريقيا، موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود 24-مايو 2014

12- عبد السلام شرماط، الحكي والأسطورة أية علاقة، موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود، 10سبتمبر 2013

13- عبد السلام شرماط، الحكاية الشعبية، مجلة فضاءات، طرابلس، ع 31، 2007

14- عبد السلام شرماط، العجائبي في ألف ليلة وليلة، مجلة الموروث، مجلة فصلية محكمة، تصدر عن معهد الشارقة للتراث، العدد 9- 2018

15- مريم خير الدين الغابري، ما بقي من الحكاية، مجلة الموروث، ع 2 يونيو 2016


[1] عبد السلام شرماط، المعتقد الشعبي والديني في أفريقيا، موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود 24-مايو 2014

[2] ماهر عبد القادر، التراث والحضارة الإسلامية، دار النهضة العربية، بيروت، ص 5

[3] عبد السلام شرماط، الحكي والأسطورة أية علاقة، موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود، 10سبتمبر 2013

[4] مريم خير الدين الغابري، ما بقي من الحكاية، مجلة الموروث، ع 2 يونيو 2016، ص98

[5] عبد السلام شرماط، الحكاية الشعبية، مجلة فضاءات، طرابلس، ع 31، 2007، ص 45

[6] الحكي الذي يخضع لشروط تكنولوجية حديثة، وهو ما يسلب لب الأطفال اليوم في القنوات الفضائية.

[7] ألف ليلة وليلة، المجلد الأول، حكاية الملك شهريار وأخيه شاه زمان، المكتبة العلمية الحديثة، ص 5

[8] الموسوي محسن جازم، المرجع نفسه، ص 215

[9] عبد السلام شرماط، العجائبي في ألف ليلة وليلة، مجلة الموروث، مجلة فصلية محكمة، تصدر عن معهد الشارقة للتراث، العدد 9- 2018

[10] المرجع نفسه، ص116

[11] الموسوي محسن جازم، المرجع نفسه، ص 75

[12] عبد السلام شرماط، العجائبي في ألف ليلة وليلة، مجلة الموروث، العدد9-2018

[13] ألف ليلة وليلة، حكاية السندباد البحري، الليلة 561، المجلد الثاني، دار العودة، بيروت، ص990

[14] ألف ليلة وليلة، الليلة 562، ص990

[15] الليلة 561، ص990

[16] الليلة 562، ص992

[17] الليلة 562، ص994

[18] الليلة 563، ص994

[19] الليلة 563، ص 995

[20] فلاديمير بروب، مورفولوجية الخرافة، ترجمة وتقديم إبراهيم الخطيب، الطبعة الأولى، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، 1986، ص95

[21] الليلة 566، ص 1000

[22] الليلة 568، ص1004

[23] الليلة 568، ص1005

[24] الليلة 569، ص 1007

[25] الليلة 569، ص1007

[26] الليلة نفسها، ص .ن

[27] الليلة 572، ص1011

[28] الليلة نفسها، ص1012

[29] الليلة 573، ص1013

[30] الليلة نفسها، ص. ن

[31] الليلة 577، ص1021

[32] الليلة 582، ص1027

[33] الليلة 584، ص1028

[34] الليلة 595، ص 1042

[35] الليلة نفسها، ص1043

[36] الليلة 597، ص1044

[37] محسن جازم الموسوي، ألف ليلة وليلة في نظرية الأدب الإنجليزي، الوقوع في دائرة السحر، منشورات مركز الإنماء القومي، بيروت، 1986، ص33

[39] عمر أبو النصر، تغريبة بني هلال ورحيلهم إلى بلاد الغرب وحروبهم مع الزناتي خليفة وما جرى لهم من الحوادث اللطيفة والحروب الهائلة المخيفة….وفيها قصة مغامس مع بنت عمه شاه الريم، وقصة الدبيسي، والبردويل ابن راشد ملك العريش، وقصة جوهر الحبشي، وقصة الملك الفرمند حاكم مصر القاهرة، ونزول بني هلال، ورحيل حسين الجعيزي إلى أرض نجد، وغرق بني هلال في أرض المخضة، واسر الأمير ذياب، وهروب بنو زغبة، وقتل الأمير حسن، وقتل الأمير أبو زيد وغير ذلك من الأخبار العجيبة ..والقصص الغريبة..، دار عمر أبو النصر وشركاه للطباعة والنشر والتوزيع والصحافة، بيروت لبنان، الطبعة الأولى 1971، ص 12

[38] نبيلة إبراهيم، أشكال التعبير في الأدب الشعبي، دار غريب للطباعة، ط2، ص ص 3-4