بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
“ربنا آتنا من لدنك رحمة، وهيئ لنا من أمرنا رشدا”
وبعد، فقد ورد على الأمانة العامة للمجلس العلمي الأعلى، رسالة من السيد وزير اصحة في شأن مطلب فتوى حول الموضوع المشار إليه، فتمت إحالتها على الهيأة العالمية للإفتاء لإبداء الراي في المسألة من المنظور الشرعي، وخلصت من ذلك إلى الجواب الفقهي التالي:
أولا: إن شرع الإسلام كرم الإنسان حيا بعديد من مزايا التكريم، فشرع له – كما هو معلوم – ما يحفظ له الكليات الخمس الضرورية في حياته، والمتمثلة في حفظ الدين والنفس والعرض والعقل والمال.
كما گرمه میتا بما شرع له من أحكام تحفظ له حرمته الشرعية وكرامته الإنسانية في هذه الحال، وتتجلى في غسله وتكفينه والصلاة عليه و تشیعه إلى قبره ومثواه في جوار ربه.
وجعل القيام بهذه الأحكار التعبدية وفق الكيفية الشرعية المعلومة فرض كفاية تجاه المتوفى، ما لم يتعثر القيام بشيء منها لداع من الدواعي وسبب من الأسباب، يرجع إلى المتوفين أو غيره ممن يقوم بتلك الأحكام في ظرف من الظروف أو حال من الأحوال.
ثانيا: إن الإسلام يحرص من خلال النصوص الشرعية والأقوال والقواعد الفقهية على صحة الأفراد في المجتمع، وسلامتهم من التعرض لأية آفة أو مضرة، تودي بحياة الإنسان وهلاكه بكيفية أو أخرى أثناء قيامه بواجه التعبدي والمجتمعي:

  1. عملا بعموم قول الله تعالى: “ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وأحسنوا إن الله يحب المحسنين” وقوله سبحانه: “ولا تقتلوا أنفسكم” (أي لا تتسبوا في قتلها بكيفية أو أخرى)، “إن الله كان یکم رحيما”.
    وفي القواعد الفقهية المقررة: “الحرج مرفوع” مصداقا لقوله تعالى: “وما جعل عليكم في الدين من حرج”، حيث شرع الانتقال من العسرين اليسر، ومن العزيمة إلى الرخصة في بعض الأحوال، و”المشقة تجلب التيسير”، و”الضرورات تبيح المحظورات”، و”الوقاية خير من العلاج”، و”الواجب إذا تعذر سقط”.
  2. ما نص عليه بعض علماء الفقه المالكي من أنه لو نزل الأمر الفظيع بكثرة الموتى فلا بأس أن يدفنوا بغیر غسل.
  3. ما تبين طبيا أن عملية غسل المتوفين من هذا المرض الوبيل كورونا (19) يشكل خطرا على الأشخاص المكلفين باعداد الجثث ويتسبب في تفشي هذا الوباء الفتاك كما جاء في رسالة مطلب الفتوى.
    ثالثا: الخلاصة
    استنادا إلى كل ما سبق من النصوص والقواعد الشرعية والحيثيات الاجتماعية فإن الرأي الذي خلص إليه النظر من الجواب الفقهي في المسألة هو الفتوى بجواز عدم غسل وعدم تيمم المتوفى من هذا الداء الفتاك أخذا بالاعتبارات الشرعية والطبية السالفة.
    مع العلم أن المتوفى من هذا المرض الخطير (المعبر عنه بالطاعون) يعتبر في حكم الشهداء في سبيل الله لما يكون له من فضل ومكانة عند الله تعالى، ويناله عنده سبحانه و تعالى من عظيم الأجر والمثوبة، كما جاء ذلك في حديث نبينا المصطفى عليه الصلاة والسلام.
    هذا، وإن المجلس العلمي الأعلى يرى أنه يجوز شرعا للسلطة الصحية أن تتخذ من التدابير والإجراءات الوقائية ما تراه مناسبا لمنع انتقال العدوى من المصابين إلى الأصحاء.
    فهذا رأي المجلس وجوابه الفقهي في المسألة.

والله تعالى أعلم وأحكم
وهو سبحانه العليم بالقصد، والهادي إلى أقوم سیل.

الأمانة العامة للمجلس العلمي الأعلى
30 شعبان 1441
24 أبريل 2020