لقد قالت العرب قديما: “من كان دليله البوم، كان مأواه الخراب”.

وقال أحد الشعراء يوما:

إذا كان الغــراب دلیل قـوم      يمر بهم على جيف الكلاب

وقفت ساعة مترددا بين الإقدام على تصدير هذا البحث بهذه الأقوال وبين الإحجام عن ذلك، وقد ملت إلى التخلي عنها، ظنا من أنه يسمج بباحث أن يورد مثل هذه اللغة في معرض أبحاثه، حتى ضاقت ساحة نفسي وأنا أتابع اللغط الصحفي حول الفرق بين “التنمية المستديمة” و”التنمية المستدامة”، فلم أجد ما هو أوصف لحال الأمة تحت س لطة الإعلام من تشبيهها بحال من اتخذ غرابا أو بوما دليلا له، فأفضى به إلى الخراب وجيف الكلاب. التنمية: الجذور المؤسسة للمفهوم.

إن مفردة التنمية، مثلها مثل جملة المفردات التي تعج بها الساحة الثقافية الإسلامية والعربية، مفردة غير ذات موضوع، ولولا أنها وضعت لترجمة مفهوم محرد، غامض في اذهان واضعيه من الغربيين، ناهيك عن ناقليه من العرب والمسلمين، لما أشارت لفظة التنمية إلى شيء في واقعنا المحسوس والمعنوي، إلا ما كان مرتبطا بواقع النبات والأجسام؟ فمن المقبول أن يقول المرء عن نبتة أنها تنمو، أو عن جسم أنه ينمو، أو حتى عن المال والثروة أفما ينموان؛ أما أن نتحدث عن نمو الاقتصاد، أو تنمية مستديمة، أو تنمية الموارد البشرية وما إلى ذلك من الأسماء الغربية، فهذا ما يخبل العقول ويفسد الأذهان ويمنعها من القراءة المتبصرة المسعفة في فهم الواقع والتنبه إلى حقائق الأمور. إن الحديث عن التنمية تأليف يحتاج إلى تفريق، ونظم يحتاج إلى نقض.

إن التنمية، كما يتحدد معناها بشكل واسع في المنابر الإعلامية اليوم، هي ما قدم عليه الدول والشعوب فرارا من الفقر والحاجة والنقص والضمور. فخطاب التنمية يرتكز على مسلمة مضمرة فحواها أن الشيء الذي تفر إليه أفضل من الشيء الذي تفر عنه؛ ومع هذه المسلمة تنتفي الإشارة إلى إمكانية أن يكون طالب التنمية في حكم من فر من شيء ليقع في شيء. لذلك قلما نصادف نقدا أو بحثا يمحص مفهوم التنمية ذاته، فجملة الاعتراضات على خطاب التنمية إنما تسعى إلى فضح ما يسكت عنه هذا الخطاب من تناقضات وعوائق في وجه تنمية الدول والشعوب الفقيرة، وكأننا بمنتقد “الخطاب التنموي” والمبشر بالتنمية يتفقان في الجوهر حول مطلوب واحد: تحقيق التنمية. ولذلك يكثر الحديث عن “التنمية العربية”، و”تحقيق التنمية الشاملة” و”تحقيق تنمية مستقلة و مستديمة”، وما شابه ذلك من عبارات غير محصة .

إننا متى قدمنا النظر في المعاني على التأهب من أجل التطبيق، لاح لنا أن “التنمية” مصطلح مثل سائر المصطلحات التي تواري عزم واضعيها من الغربيين على إقرار منطق إلحاقي يضمن تبعية الشعوب والعقول المسماة متخلفة لشعوبهم وعقولهم “المتقدمة”. تحکی الكاتبة “أرونداتي روي” (Arundhati Roy) عن حدث بالغ الأهمية، شهدته طرقات نیو دیلهی[1]. تقول إنها كانت توجد في وسط حشد من المتظاهرين يبلغ عدده خمسة آلاف شخص من المتضررين من مشروع سد “نارمادا”، وكانوا يطلبون التحدث إلى رئيس البنك الدولي، المدعم لهذا المشروع. وبعد مدة من الانتظار، خرج الرئيس على هذا الحشد الغفير من الناس “مثلما يخرج ملك أبيض” وقال: “سأدرس حالة كل واحد منكم على حدة”. وعندها علت أصوات المتظاهرين: “لكن من تكون أنت حق تتحكم في مصيرنا نحن؟ من خولك الحق لتحدد مصير أراضينا وأمارنا؟” وتستنتج الكاتبة من هذا الحدث كيف أن رئيس البنك الدولي يتمتع في الهند بسلطة أكبر من سلطة كثير من الوزراء. وتضيف بأن هناك تحالفا بين العالم الغربي وبين النخبة في العالم الثالث من أجل امتلاك الموارد، حتى يتم الإبقاء على النموذج الغربي في التنمية.

لقد وضعت “روي” يدها على مكمن الداء. فليس من قبيل التفظيع للأمور ولا التفخيم لها القول بأن مصطلح التنمية يشف عن نموذج واحد في الكسب والربح والاقتصاد، نموذج أريد له أن يبلغ مرتبة العالمية والكونية والكلية حق يضمن لأصحابه حق التدخل في شؤون العالمين، وذلك تماما مثلما كانت لفظة “الحضارة” في يوم من الأيام مجرد ستار يختبئ وراءه الاستعمار ليبرر تدخله العسكري في فضاءات حضارية أخرى.

الحاصل أنه يعسر إيجاد ألفاظ مقابلة للألفاظ المستعملة في المجال التداولي الغربي مثل لفظة “Développement” و”Development” و”Entwicklung”. فهذه اللفظة في مجالها اللغوي، فرنسيا كان أو إنحليزيا أو ألمانيا، تتحدد في الأصل بالتقابل مع لفظة أخرى: “Enveloppement” و”Envelopment” و”Einwicklung”، وهي لفظة تفيد معنى القبض واللف والتغطية و التطويق. فمتى وعينا علاقة التقابل هذه، بدا لنا أن خير ما نترجم به معن هذه اللفظة هو “البسط” و”الانبساط” و”الانتشار” و”التوسع”.

لقد كان مطلوب التنمية ولا يزال هو التوسع في استخراج المواد الأولية توسعا متهالكا لا مقصد يسدده ولا روح توقفه. يقول “راسل ميتر” Russell Means في معرض المقارنة بين الرجل الأبيض والهندي الأحمر: “قد يقول لك مضارب عقاري، مثلا، إنه ينمي قطعة أرضية وهو يفتحها ليقتلع الحصى منها؛ فالتنمية هنا لا تعني شيئا آخر س وى الهدم الشامل والمستمر، بما في ذلك نقل الأرض من مكانها. لكن المنطق الأوربي لا يهمه إلا أن يضمن هذا الهدم ربح بعض الأطنان من الحصى التي ستسعفه في “تنمية” أراض أخرى عبر بناء الطرقات. وفي النهاية، لقد أصبح الكون جميعه مفتوحا في اعتقاد الإنسان الأوربي أمام هذا النوع من الحمق”[2].

إن الإنسان الغربي لما نزع عن الطبيعة ما كان لها من قداسة عند الإنسان البدائي، استحل ما كان محظورا على هذا الإنسان الطبيعي فعله من إزالة للجبال وفتح البطن الأرض وتغيير الملامح الطبيعية، فتمادي في الاستكثار من المواد الأولية والاستزادة من الخبرات الطبيعية حتى أخرجه ذلك التمادي من دائرة الاقتصاد إلى دائرة الاشتطاط. فمثل طالب التنمية وفق مقتضيات العقل الغربي، مثل من يقتلع الحصى من جبل ليشيد طريقا، فما تزال طريقه تكبر في الحجم والطول حتى يأتي على آخر حجرة من الجبل، إذ ليس له من رادع أو مانع يحول بينه وبين هدم الجبل عن آخره. بل الأدهى والأمر هو أن التنافس وفق هذا الضرب من التنمية هو تنافس من أجل هدم الجبال، إذ إن صاحب أطول طريق مشيدة وأفسحها هو أكثرهم هدما للجبال واقتلاعا للحصى

. ويمكننا أن نقيس على هذا المثال فنقول: إن طلب التنمية، إذ لا يقف عند حد معلوم كما تشير لفظة التنمية ذاتها إلى ذلك، هو طلب الاستزادة في المادة المستخرجة من الطبيعة؛ وعلى قدر هذه الاستزادة، تكثر أوجه الهدم والإفقار والعبث والإفساد في الأرض.

لما كانت التنمية مرادفة للطلب الدائم للاستزادة في الكسب المادي عبر الاستغلال اللثروات الطبيعية، بات لزاما على طالب التنمية أن يسعى إلى التوسع في الفضاء جهد المستطاع، فيعمد إلى رفع الحواجز السياسية مثل الحدود الفاصلة بين الدول والأمم، وصرف الموانع الثقافية مثل الطرائق المختلفة في العيش والتصورات المتنوعة للربح والكسب والنماء. وليس من سبيل إلى رفع هذه الحواجز وصرف هذه الموانع إلا رفع التنمية إلى مكانة الكونية و العالمية اللتين لا مناص لشعوب العالم من الامتثال لهما. فتجد لسان طالب التنمية يقول: “لكل شعوب العالم الحق في أن تطلب التنمية (معرفة بالألف واللام)”. وحتى تقيس كل أمة درجتها في هذه التنمية، أحدثت مؤسسات تشرف علی وضع دلائل للتنمية وسلالم تصنف الدول والشعوب؛ فيكون أدناها متزلة من بلغت درجة الأمية عنده مثلا كذا من الأرقام، وأعلاها مرتبة من بلغت أعداد أجهزة الكمبيوتر عنده كذا وكذا. والواقع أنه ليس من أمر أقتل للأمم وأدحر لثقافاتها وأفتح لحدودها في وجه الطامع في الحصول على خير اما من الاستنامة إلى البرامج الإنمائية المجردة والسكون إلى دلائل التنمية. إن الطمع في الارتقاء على سلم التنمية المجردة يسوق الدول المسماة نامية أو في طريق النمو إلى تمكين الدول القوية من مواردها ومن ثقافاتها، ولا يزيدها إلا تبعية واجتثاثا من أرضها.

ولما كانت التنمية أيضا تنشد الاستغناء بالأشياء المادية فقط، وجب أن يكون طلبها مرادفا للبحث المستمر عن الموارد والمواد الأولية أن وجدت. وليس إشراك الدول المستضعفة في عمليات التنمية إلا وسيلة من وسائل استدراجها لفتح حدودها في وجه من يطلبون الاستغناء أكثر بخيراتها. وهب أن هذه الدول تمكنت من تحقيق التنمية المجردة (المعرفة بالألف واللام)، ألا يعني ذلك أنها ستصبح هي بدورها في حاجة مستمرة إلى التوسع، حتى تتضارب مصالحها مع مصالح المتوسع الغربي؟ نحن نعلم أن مجرد الحديث عن وجود نموذج للتنمية يكفي لإرغام الدول الطامعة في التنمية على الالتحاق بأرباب التنمية التحاق مسبوق بسابق ومتأخر بمتقدم. فولوج التنمية أمر محظور على من أراد الاستقلال بنفسه، ومتیسر للذين يسعون للانخراط في التنمية الوحيدة العالمية والكونية التي تقوم على أساس الاستغناء بالشيء فقط. وهب أن دولة مستضعفة حققت التنمية والتحقت فعلا بأعلى المراتب في سلم دلائل التنمية، فليس في وسع هذه الدولة إلا أن تصير جزءا لا يتجزأ من منظومة اقتصادية عالمية لا قيم فيها سوى قيم التوسع والاستغناء بالشيء. فعلی تقدير أن ذلك من الممكنات، لن يسعف مثل هذا الإنجاز العالم في الخروج من منطق الكوارث التي أفضى إليه العمل بمقتضيات التنمية المجردة؛ بل غاية ما في الأمر أن تنمية جهة جديدة من جهات العالم، إنما يضاعف الكارثة ويثقل كاهل الأرض أكثر ويلوث السماء والبحر أكثر فأكثر.

فما كان للمبشرين بالتنمية والعاملين على تحقيقها أن يستيقظوا من رقدتهم وهم ساکنون لواقعها ومطمئنون لمآلاتها، لولا أن أصواتا كثيرة علت لتنبه على خطر النموذج الغربي في التنمية على البيئة. فتعداد المشاكل البيئية مثل الانحباس الحراري وارتفاع درجات الحرارة وارتفاع مستوى سطح البحر واتساع رقعة الأوزون وتلوث الأقمار واقتلاع أشجار الغابات واستتراف الطاقات غير المتجددة وانقراض الأنواع البيولوجية و اختلال النظام البيئي دفع الكثيرين من الحذاق من أصحاب النظر الثاقب إلى التساؤل: “هل التنمية هي الحل أم هي أصل المشاكل و أمها جميعا؟” وأمام هذا السؤال هرعت الجهات المسؤولة عن التنمية في العالم إلى الجواب باستبدال كلمة بأخرى، فبدل التنمية أتوا ب”التنمية المستديمة أو المستدامة”. ولئن كان ظاهر هذه الكلمات الجدة، فباطنها القدم والثبات على طريق التنمية المجردة ثم التمسك بالرغبة في التوسع والاستغناء بالشيء.

وقد يكون للتنمية أو جه تحسن كما؛ ولعل أبرز هذه الوجوه کو ها تدفع عن الإنسان ” المتخلف والبدائي” آفات التأليه للطبيعة والاندهاش أمام ظواهرها إلى درجة تقديس البقر، فتستحثه على الفعل الصناعي والتقني وترفع عنه الحرج الذي يجده في استغلال ما تخفيه الأرض بين ثناياها من معادن وثروات. وبهذا تكون التنمية قد خرجت بحق بالإنسان في الحضارة المعاصرة من طور العجز أمام الطبيعة والاندهاش أمام ظواهرها، ومن طور الشقاء وضنك العيش إلى طور الرخاء والتنعم. لكن بقدر ما للتنمية من أوجه تحسن جما، فإن لها أوجها تسمج جما؛ ولعل ما يعاب على النموذج الغربي في التنمية افتقاره إلى ما به يقتصد في التنمية حتى تستدام النعمة وتستدفع النقمة. لقد كان هو خروج الإنسان من طور العجز إلى طور الفعل في الطبيعة وفق مقتضى العقل الغربي بمثابة خروج من طور التأليه للطبيعة إلى طور التالية للذات الإنسانية؛ لذلك ترى طلاب التنمية يبيحون اللذات الإنسانية التمادي في الفعل الصناعي والتقي على حساب الطبيعة، وكأنم المالكون لهذه الطبيعة.

يقول أصحاب الخطاب التنموي اليوم إن التنمية المستديمة تختلف عن التنمية، لكوكا تطرح سؤال البيئة وتسعى لإيجاد أنجع الأساليب وأمثلها للتخفيف من الآثار السلبية العملية التنمية على البيئة. وهكذا يقرون ضمنيا أن للتنمية آثارا سلبية. وأما وسيلتهم لدفع هذه الآثار السلبية، حتى تبقى التنمية خالصة لاتشوبها شوائب، فتبقى محط جدل ومدار نقاش. وما أكثر ما يميل أرباب المؤسسات الساهرة على شؤون التنمية إلى حصر البحث عن الحل المشكل البيئة الخانق في حدود المسألة التقنية والحسابية! فلا يكادون يتعاهدون على الحد من استهلاك هذه المادة أو تلك، أو على خفض نسبة هذا الغاز أو ذاك، حتى ينقض بعضهم العهد، متذرعا بأن فيما تعاهد الباقون عليه ما يضر بالاقتصاد والمنافسة أو شيء آخر. وقد ترى أرباب الشركات متعددة الجنسيات يجعلون من الدفاع عن البيئة شعارا يضمن لهم الربح وتوزيع سلعهم بشكل أوسع. وحاصل الأمر أن المؤسسات الساهرة على توسيع التنمية، إذ تستشعر الحاجة لإيقاف منطق الانتحار البيئي والهدم الممنهج للطبيعة، تقف عاجزة عن كبح جماح الذات الإنسانية المتألهة، وذلك لأفالا تطرح السؤال بمسؤولية تصل إلى حد مساءلة الجذور الفلسفية والعقدية التي تأسس عليها منطق التنمية. وأغلب الظن أن العزوف عن هذه المساءلة الجذرية للتنمية مصدره الخوف من إمكانية انتساف خطاب التنمية جملة، ومعه السلطة التي يخولها للغرب في عالم اليوم.

“لماذا يحتاج العالم إلى التنمية؟” عن هذا السؤال يجيب العقل الغربي الخاضع لسلطة المؤسسات السياسية والاقتصادية التوسعية: “يحتاج العالم إلى التنمية حق يندحر الفقر والحاجة والمجاعة والعري، فيضمن سكان العالم ما يكفي من ملبس ومشرب ووسط صحي مناسب لممارسة الحياة”. يسوقنا هذا الجواب إلى سؤال آخر: “فهل تتوقف التنمية بلوغ هذه المقاصد أم أن التنمية هدف في حد ذاتها؟” إن كانت التنمية ه دفا في حد ذاها، فلن تستطيع أي قوة على الأرض إيقاف مسلسل التخريب والاستتراف؛ فحال الطامع في تحقيق التراكم المادي وتنمية الموارد والاستكثار من ينابيع الثراء كحال المستغي بالشيء، كلما ملك شيئا أحس بالافتقار إلى الشيء الثاني، فمتى تأتي له ملك الشيء الثاني أحس بالافتقار إلى الشيء الثالث، وهكذا دواليك إلى ما لا نهاية. ويكون وضع الإنسان الذي هذا حاله في حكم اللثيم الجشع الذي يمسك خشية الإنفاق، فلا يزال يضم الشيء إلى الشيء حتى يضيق ذرعا بحمل ما يجمع من أشياء. وهذه حالة نفسية لا يعالجها الاقتصاد أو علم الاقتصاد، وإنما يعالجها علم النفس أو الدين، أو قل ما شئت من العلوم التي تدخل في دوائرهما.

وأما إن كان الجواب حول الحاجة إلى التنمية يقر بالمقاصد المذكورة نقطة تقف عندها التنمية، فالأمر مختلف، وسيسوقنا إلى المطالبة بإيقاف التنمية، وهذا لأن العالم اليوم يملك من الخيرات ما لو وزع على ساكنته لكفتهم ملبسا ومأكلا ومشربا و مسكنا. لم تبلغ البشرية عبر التاريخ ما بلغته اليوم من درجات عالية في الغني والثراء. إن الماشية في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها تأكل من الحبوب، وإن كانت في غنى عن ذلك، ما لو وزع على إفريقيا للمحق المجاعة محقا.[3] قد يقول قائل: “فماذا عن الملايين من الأطفال الذين يموتون جوعا هنا وهناك عبر العالم ؟” وواضع هذا السؤال لا شك أنه يغفل عدد من يتفقأون شحما هو عدد مضاعف. فليست مسألة المجاعة إلا مسألة سياسية في زمننا قبل أن تكون ذات طبيعة أخرى. ولئن تعجب فعجب أن الارتفاع في نسبة المجاعة يرافقه ارتفاع في نسبة المحاصيل الزراعية عبر العالم.

إن الكثير من مظاهر التخلف والركود والجمود عبر العالم تعزى إلى تحطم البنية الثقافية التي كانت منتجة للحياة ومديرة لرحى المعيشة في كثير من جهات العالم قبل تعميم النموذج الغربي في التنمية. وبناء عليه، فقد يكون من اللازم على دول العالم الثالث النامية أو السائرة في طريق النمو أن تحيد عن هذا الطريق الذي رسمها لها الغرب المستعمر، التبحث عن طرق مخصوصة بها حتى يسهل عليها الإبداع. وهذا لن يحصل بسهولة مالم يتم تفكيك جميع المفاهيم المحردة المقتلعة للإنسان من فضائه الأصلي، وأولها مفهوم التنمية، ثم استبدال هذه المفاهيم بأخرى قريبة يستسيغها العقل فيتحرك لها الجسد نحو الفعل الباني المتزن. وليس في الدعوة إلى إعادة نحت المفاهيم المحلية و إزالة الغبار عنها ما يفيد الانغماس في هذه المحلية انغماس المتطرف الذي لا يكاد يأبه بوجود الآخرين؛ فبالقدر الذي يجب السعي إلى إحياء المفاهيم المنتجة محليا، يجب كذلك العمل على إيجاد  حقل كوني أرحب حيث يمكن لهذه المفاهيم أن تتلاقح مع المفاهيم المؤثلة في فضاء الآخر الأصلي، ولو كان هذا الآخر غربيا.

التنمية وسؤال الأخلاق في الغرب: نموذج ثورو.

يتوفر الغرب على رصيد لا يستهان به من نقد المفاهيم الغربية المجردة الصنع. وما أكثر ما يكون الغربيون أنفسهم، أو بعضهم، سباقين إلى انتقاد الغرب دون سواهم. ولا عجب في ذلك؛ فالغرب حين يجرد مفاهيمه ليسحبها على بقية العالم، إنما يسحبها أول ما يسحبها على الفطرة الإنسانية في الغرب ذاته. لذلك نرى هذه الفطرة تنتفض من داخله طامعة في تقويمه. وفي هذا السياق، يمكننا الحديث عن جملة من الأعمال الهامة التي تناولت نقد التنمية الغربية من داخل الثقافة الغربية نفسها.

ونقتصر هنا على وجه من أبرز الوجوه التي بكرت بنقد النموذج الغربي في التنمية؛ إنه “ثورو” صاحب كتاب “وولدن” Walden و”العصيان المديني” Civil Disobedience، وملهم أحد أعظم الواقفين في وجه الأسطورة المؤسسة لهذه التنمية في القرن العشرين: ما هاتما غاندي.

لقد كان بإمكان “ثورو” أن يزاول مهنة التدريس، فيكفي معاصريه من الأمريكيين شر ما جلبه لهم من نقد لا يمحوه تعاقب الأعوام والسنين، كما كان يكفيه أن يواصل إنتاج أقلام الرصاص التي كان يصنعها والده، فيضمن لنفسه حياة مستقرة سهلة. لكنه بعدما أجهد نفسه فتمكن من صنع قلم رصاص أفضل من الأقلام المتداولة آنذاك، وبعدما

جاءه الأصدقاء مهنئين بهذا الفوز العظيم الذي كان سيدر عليه الخير العميم، انصرف “ثورو” لحاله، يزاول المشي بلا انقطاع، والقراءة في كل حدب وصوب، وقد قال الأصدقائه إنه لن يصنع قلم رصاص بعد اليوم، لأنه لا يجد معن في ذلك، وأنه يكفيه ما صنعه مرة واحدة.

ليس التركيز على سيرة “ثورو” خروجا عن موضوع نقد التنمية؛ وإنما فيه رسم المعالم الشخصية المتبرمة في المجتمع الأمريكي المنهمك في التنمية خلال القرن التاسع عشر. لم يجد ثورو” أي معنى في الانخراط في النسيج الاقتصادي” كما كان يحاك في زمنه، فقطع الخيوط بينه و بين المجتمع لينهمك في المشي والقراءة. فلئن كان المشي وسيلته إلى تقوية الإحساس بالانتماء إلى الأرض والتجول في مناكبها، فإن القراءة كانت وسيلته للتجول في فضاء التجريد وسماواته. وما هي إلا فترة قصيرة حق خلع “تورو” ربقة المجتمع كاملة ليختلي بنفسه في عالم الغابة بحثا عن التجربة الطبيعية التي هي الأصل في كل تطور حضاري واجتماع بشري.

إن حديث “ثورو” عن التنمية يندرج في إطار البحث عن الأصول التي تنبني عليها الأشياء. إن الأصل في الحياة الطبيعية، كما يتجلى ذلك في حياة الحيوانات، ه و أن المخلوقات لا تحتاج إلى تدفئة أجسامها إلا عبر الأكل؛ فالأكل هو الوقود الذي يمد الجسد بالطاقة اللازمة من الداخل. وأما الإنسان فيتميز عن الحيوان لكونه ياتخاذ النار والملبس وسيلتين للحفاظ على حرارة الجسم من الخارج. فتراه يشعل النار فيجلس حولها يستدفئ بحرارتها، حتى يصير الاستدفاء بالنار طبيعة ثانية مكتسبة، يصعب التخلص منها، كما يرتدي ألبسة تلتصق بجسمه التصاقا. ويتدرج الإنسان في استعماله للنار والملابس حتى يخرج هذا الاستعمال عن الوظيفة الأولى المتمثلة في ضمان الحرارة من الخارج، فيبلغ به وظائف أخرى “فنية” وكمالية، فتكثر أوجه طلبه للمادة المستعملة في التدفئة وصنع الملابس بحسب تفننه في الكماليات.

فإما أن يعتدل الإنسان، فيجعل الوظيفة الفنية الكمالية تساوق الوظيفة الطبيعية؛ وإما أن يخرج عن حدود الاعتدال، فيترك الوظيفة الفنية الكمالية تستقل بذاتها حتى تصبح غاية في حد ذاتها، تزين للمرء الإقدام على الأشياء واستهلاكها بغض النظر عن الحاجة الطبيعية إليها.

لقد كان “ثورو” يحس أن معاصريه في الحضارة الأمريكية لا يقتصدون في الملبس والمسكن والتدفئة، وأهم يذهبون في طلب المواد الأولية لهذا الغرض إلى حد الإفراطی وكأن العقال قد انفلت من أيديهم فصارت الوظيفة الفنية الكمالية هي التي تملى الضرورة الطبيعية وتحددها. وكان “ثورو” يقدر أن المخرج من هذا الوضع يكمن في الفلسفة بالمعي الذي كان يصبغه على هذه الكلمة. فالفيلسوف في نظر “تورو” أفقر الناس مظهرا وأغناهم باطنا؛ لا يأكل ولا يلبس كما يفعل معاصروه، بل يبحث عن أفضل الطرق وأقصرها وأقلها تكلفة.

قد ينساق الحطاب مثلا، إن هو افتقر إلى الحس الفلسفي، مع منطق الربح، فيجتهد في البحث عن مسوغات الحطب المستمر لجميع أشجار الغابة، إذ أن التدفئة صارت في نظره ضربا من ضروب الفنون الكمالية التي لا تقف عند حدود إمداد الجسد بالحرارة اللازمة من الخارج. ولا يزال الإنسان يتقلب وفق منطق هذا الخطاب في نعم التدفئة من نعمة إلى نعمة حتى يخرج إلى طور الترف. وما الترف إلا نسيان الحاجة الطبيعية والشطط في طلب تلبية الحاجات المجردة. أما إذا كان للفلسفة أو لنقل للحكمة سلطة على الحطاب، فقد تراه لا يغفل لحظة واحدة أن الأصل في التدفئة هو التدفئة من الداخل، وأن ما سوى ذلك من الوسائل وجب الاقتصاد فيه. فمكانة الإنسان وفق منظور الحكمة تعلو بقدر تمكنه من الاقتصاد في الوسائل، لا بقدر استكثاره منها.

كذلك ليس التطور وليست التنمية أن يحول المرء فصل البرد إلى فصل حار، قاطعا لهذا الغرض أشجار غابة بأكملها؛ وإنما “التطور” و”التنمية” هو أن يحقق المرء أكبر قدر من التدفئة اللازمة للجسم من الخارج بأقل تكلفة ممكنة. وأما أن يتفنن المرء في التمتع بالوسائل الممكنة، كأن يصطنع له بيئة ثلجية ووسطا شتويا في بيئة صحراوية، فهذا ضرب من الترف يكلف الإنسانية من الموارد الأولية ما هي في أمس الحاجة إلى ادخاره.

نستفيد من حديث “ثورو” عن الفيلسوف أن “التنمية” وهم وخدعة يستعملان من أجل إخراج الإنسان من حالته الطبيعية الحسية، حيث يدرك هذا الإنسان الفرق بين الضروري والكمالي، إلى حالة مدينية حيث تستحثه الحاجة الكمالية المجردة إلى الاستزادة من الوسائل والاستكثار من الموارد حتي يحققها. فالتنمية، بالمعنى المقرر لهذه اللفظة في المحال التداولي الغربي، ليست هي ما يحسن به الخروج من طور الحالة الطبيعية إلى طور الحالة المدينية، ذلك أن كل تنمية ترتكز على الاستزادة اللامتناهية في الوسائل والموارد، لا تملك أن تدفع عن الإنسان آفات الترف وإن أسعفته في تحصيل وسائل التنعم. إن للتنمية جذورا ضاربة في الميتافيزيقا الغربية تجعلها لا تثمر غير الترف ثم الأفول الحضاري.

وحتى يبين “ثورو” الأصول الميتافيزيقية التي ينبي عليها خطاب التنمية، يضرب للقارئ مثلا من الواقع الأمريكي الذي كان يشهد في زمنه صراعا صريحا بين ذهنيتين متباينتين إزاء التنمية: ذهنية الهندي الأحمر الذي يعيش حياة طبيعية، وذهنية الرجل الأبيض المتمدن. يقول “ثورو” إن الإنسان الطبيعي يأوي إلى خيمته فيجد فيها سكنا مثلما تحد كل الحيوانات في بيئتها الطبيعية مخابئ و أعشاشا. فالمسكن بالنسبة للإنسان في حالته الطبيعية شيء سهل المنال لا يكاد يكلف صاحبه عناء يذكر ؛ فكما يبين الطائر عشه بنفسه، و كما تحفر بعض الحيوانات مخابئ لهما بمخالبها، كذلك يتخذ الهندي الأحمر مثلا خيمة له تحميه من البرودة شتاء ومن الحرارة صيفا. لكن الهندي الأحمر تحت سقف خيمته إنسان متخلف من وجهة نظر الإنسان الأبيض، يجب انتشاله من وسطه الطبيعي حيث يخيم، ثم استدراجه إلى مسكن قار بين حيطان منيعة ووسط مدينة مشيدة.

لا شك أن الانتقال من العيش تحت سقف خيمة هندي أحمر إلى العيش وسط مترل في إحدى المدن حيث يحضر الماء والإنارة وتتوفر وسائل الحياة الرغيدة، هو انتقال من وضع متخلف إلى وضع متقدم، في الظاهر على الأقل. أو إن شئت قلت إنه انتقال فيه تنمية للمجتمع وللإنسان البدائيين الطبيعيين. فقد لا يعترض على هذا الانتقال عاقل، ولا يملك الإنسان البدائي إلا أن يثمنه ويقبل بوصفه انتقالا نحو التقدم و تحقيقا للتنمية. لكن أوجه الاعتراض لا تلبث أن تفصح عن نفسها من تنبه العقل إلى أن هذا الانتقال ثمنا لا مناص من تأديته. وقد يتحول هذا الاعتراض ليصير رفضا صريحا وقاطعا لهذا الضرب من التقدم والتنمية إن علم الإنسان أن الثمن هو قدر من التضحية بالوجود والحضور في الطبيعة. فقد يستلزم الحصول على مترل في مدينة أمريكية، رهن حياة فرد بأكملها، بعدما كانت الخيمة لا تكلفه سوى سويعات من الجهد والعمل.

فهل نفهم من تجربة “ثورو” أن بقاء الإنسان تحت سقف خيمة الهندي الأحمر أفضل من تنمية تقدمه نحو الحالة المدينية؟ يردد “ثورو” في أكثر من مقام أن أفضل أنواع الحياة لديه هو العيش على الحدود بين عالم الغابة والبداية – البداوة من جهة، والمدينة من جهة أخرى؛ أما إن تعذر هذا النوع من الحياة، ف”ثورو” أميل إلى الحياة الطبيعية منه إلى الحياة المدينية الاصطناعية. فإما حياة طبيعية متفتحة على عالم من الإمكانات الصناعية وإما ارتداد و نكوص إلى الحالة الطبيعية. ولما أيقن أن التنمية وفق مقتضی تصورات معاصريه الغربيين إنما تفيد التوسع من أجل بسط نظام المدينة المحردة وأشكالها الاصطناعية على نظام الطبيعة وأشكالها، اختار “ثورو” أن يعيش تجربة “ولدن” خارج حدود المجتمع المديني و بعيدا عنه.

لم يحي “ثورو” في وسطه الطبيعي الجديد حياة تنقل، بل اختار الاستقرار. وقد بسط كلاما جميلا في هذا السياق مفاده أن الاستقرار في المكان هو سكون في شكل وهندسية . وقد اختار لبيته المتواضع هندسة منفتحة على الطبيعة، غير مستغلقة عليها، بحيث تكون الحياة في الداخل، في الشكل و الهندسة امتدادا للحياة خارجهما. وكان بيته عبارة ع ن شكل هندسي بسيط أو بنية بسيطة أملتها الحاجة الطبيعية. وقد قرر “ثورو” أن لا يضيف بنية مركبة ومعقدة إلا إذا دعت الضرورة الطبيعية إلى ذلك، وهو يستطيع من موقعه أن يميز بين ما هو حاجة طبيعية وبين ما هو غير ذلك.

يستفاد من هذا كله أن تكثيف الإحساس بالملكية في هذا الفضاء المديي الجديد يرافقه فقدان للإحساس بالكينونة والشعور بالوجود الطبيعي. وكأننا أمام تنمية عرجاء تقصر على معنى تنمية الإحساس بالكسب المادي للأشياء، أما الإحساس بالحضور في الكون، فهو في تقلص مستمر. فبعد أن كان السكن مكسبا طبيعيا، يحصل للإنسان معه إحساس بالكسب و بالوجود في آن، صار مطلبا يتقدم إليه، وصارت هنالك مسافة زمنية تفصل ما بين المتقدم وبين المتقدم إليه، بين الإنسان وبين الإحساس بملكية سكناه، هذا الإحساس الذي يشترط في تحصيله رهن زمن وجودي طبيعي. ويجب ألا ننسى بأن ثمن مترل عادي قد يعادل ثلاثين أو أربعين سنة من العمل الشاق الذي لا يوفر للإنسان أدنى أسباب التمتع بكينونته.

وخلاصة الأمر أن “تورو”، وإن تقدم خطوة نحو الاستقرار، ونحو البناء وفرض الهندسة العقلية على الفضاء الطبيعي، فقد أراد لبنائه أن يظل شكلا منفتحا على الوسط الطبيعي، لا يتطور إلا من الداخل وفق مقتضيات الحاجة إلى التطور ومراعاة للحاجة إلى الوجود. إنه لا يروم البناء وفق مقتضيات التجريد العقلى وما يبلغه من أشكال هندسية غاية في التعقيد والكمال، كما لا يريد أن يمتثل للأشكال التي أقرها العرف الاجتماعي والموضة. وهذا يكون قد أشار إشارة واضحة إلى النمط الذي يحسن به الخروج من طور الخيمة إلى طور الاستقرار، من طور الطبيعة إلى طور الصناعة، من طور الحس إلى طور التجريد. فلئن كان من الضروري أن يخرج الهندي الأحمر من طور الترحال والخيمة إلى طور المترل والاستقرار، فليس من الضروري أن يكون هذا الخروج على وجه مخصوص أقره العقل الأوربي الأمريكي ذو التجربة الوجودية الفضائية المختلفة.

إن الاعتراض على هذا النمط من التنمية للشعوب المسماة بدائية هو اعتراض علی الفكر الميتافيزيقي الغربي الذي يقر بأسبقية الفكر على الوجود، فيحرم الإنسان من لذة الكينونة، مؤجلا الوجود الحقيقي إلى زمن مستقبل، زمن “الطوبي”. إن المذاهب الفلسفية الغربية على اختلافها الظاهر، تتفق في الباطن حول إرجاء الحياة السعيدة الكاملة إلى نقطة زمنية يعينها العقل سلفا عبر مسلسل من الاستنباط العقلي، استنباط المجهول المستقبلي من المعلوم الحاضر. ألا ترى أن الماركسية، مثلا، لا تختلف عن الديكارتية وعن الطوبویة في شیء؟ أليس القول بتحقق الحصيلة الشيوعية هو القول بتركيب مسبوق في الزمن بالطريحة والنقيض؛ أي أن الإنسانية لن تنعم بالشيوعية، مرحلة الحياة الحقيقية، إلا بعد فترة مخاض تتناطح فيها الفرضية والنقيض؟ أليس في هذا ما يدعو البشرية إلى الانتظار، تماما كما أن مقولة “أنا أفكر، إذا أنا موجود” الديكارتية، تعطل حركة الوجود الحقيقي حتى يكتمل زمن التفكير وينضج في المستقبل؟ كذلك الإنسان الطبيعي مطالب بمقتضی الفكر الغربي وما أفرزه من نماذج للتنمية أن يضحي بالوجود في فضائه وزمنه الطبيعيين، الفائدة مدنية مثلی موعودة.

إن فعل التنمية متى جاء استجابة لشروط عقل مجرد وعملا بمقتضياته، أربك الإنسان في علاقته بزمنه ومكانه ولم يسعفه في تنمية الإحساس بالحضور فيهما. وبفقدان الإحساس بالحضور في الزمن والمكان الحقيقيين بالنسبة لطالب التنمية، تتقلص حظوظه في تحصيل إمكانات الإبداع، وتنفتح أمامه مذاهب التقليد، حتى يخرج به فعل التنمية من وضع سيئ إلى حال أسوء، لا سبيل له معه إلى الوقوف عند مقاصد الأشياء، وعندها يعيش عيشة ملؤها التسطيح. نجد في كتاب “ثورو” أمثلة تزکي هذه المعاني التي تفيد في العمق أن شأن التنمية شأن محلي صرف و مطلب تمليه الحياة في وسط جغرافي وفترة زمنية. ليست التنمية إلا فعلا مثل باقي أفعال العقل الإنساني التي يروم الإنسان من ورائها دفع مضايق الوجود في المكان والزمان. فإن كان هذا الفعل مؤطرا بمقاصد يمليها الوجود في الطبيعة أو الفطرة ، صلح و استقام ودفع عن صاحبه آفة التنطع إلى الوسائل والمكاسب؛ أما إن كان فعل التنمية فعلا لا مقصد يسدده فهو لا شك خارج بصاحبه إلى مضمار المضرة والعبث، قاتل لحواسه، متلف المقاييسه .

يورد “ثورو” جملة من الأمثلة غاية في العمق والبساطة بغرض تمحیص سؤال التنمية المطلوبة لإخراج الإنسان من وسطه الطبيعي. ولعل أبرز الأمثلة تلك التي تتعلق بطرائق معاصريه في اللباس. يقول “ثورو”: “إذا وضع سید القردة في باريس قبعة المسافر فوق رأسه، رأيت جميع القردة في أمريكا يفعلون مثله”.[4] فما يدعو لليأس والقلق في ه ذا التصرف هو أن اللباس بعد أن كان حاجة طبيعية، صار مسألة فنية بحتة تقرر في أماكن ومدن بعيدة. وصار الفن اللباس سلطة يستحيل تحاوزها. فلو ذهبت عند الخياط تطلب منه لباسا معينا، لسمعت منه العبارة المتداولة: “إنهم لا يلبسون هذا الشكل أو هذا اللون اليوم”.[5] فلهذه العبارة سلطة لا تقهر ، سلطة تملك أن تعمي الإنسان عن الحاجة الطبيعية التزج به في عالم الاستهلاك والتبعية. ولما كان “ثورو” يمحص معاني الأشياء، فإنه يسأل عن هوية “هم” في قول الخياط “إنهم لا يلبسون هذا الشكل أو هذا اللون اليوم”. فيرد على سلطة هؤلاء متحدیا: “من اليوم فصاعدا، أصبحوا يرتدون هذا الشكل”، الشكل الذي ارتضاه هو لنفسه انطلاقا من وسطه حيث لا يزال يميز بين الحاجة الطبيعية الفطرية إلى الأشياء وغيرها من الحاجات. وفي قالب من الحكمة يضيف: “تحد كل جيل جديد يسخر من طرائق الجيل السابق عليه في اللبس، لكنه يصبغ نوعا من القداسة على الطرائق الجديدة”.[6]

إن طالب التنمية، مثله مثل طالب اللباس، لا يأمن أن يعمه التفنن في الوسائل والمواد الأولية عن مطلوبه الطبيعي وحاجاته الأولى، فيصير في حكم من يسعى إلى تحقيق ما عند غيره في معزل عن حاجاته التي يمليها عليه الحضور في مكان وزمن معينين. وكذا يكون طالب التنمية في أمس الحاجة إلى ما به يحقق ما هو في حاجة إليه دون أن يضطره ذلك إلى تطليق فضائه والتجرد عنه. وبعبارة أفصح، إن فعل التنمية بحسبانه اجتراحا لوسائل اصطناعية من أجل تلبية الحاجة الطبيعية، يحتاج إلى حد يقف عنده حتى لا يستقل ع ن مقصده هذا، فيتخذ من التطوير الصناعي هدفا و مقصدا له، حتى إذا بلغ أعلى الدرجات في فن الصناعة، افتقد مهاراته الطبيعية وخرج من حالته الطبيعية ليصير ذا بعد واحد. فطالب التنمية لا يحتاج إلى شيء احتياجه إلى الاقتصاد في الفعل الصناعي حق يحافظ على بعده الأول الطبيعي.

يضعنا “ثورو” أمام معادلة صعبة يحس أن معاصريه قد أخفقوا في تحقيقها: الصناعة والطبيعة في نفس الآن. ولعل سؤال “التنمية المستديمة” اليوم لا يتمحور في العمق س وى حول كيفية تحقيق هذه المعادلة. وأما “التنمية بوصفها مفهوما يدل على حركة متواصلة غير قابلة للتوقف، فهي عاجزة لا محالة عن الإجابة، وإن تحايل بعضهم حتى یکسو المفهوم حلة جديدة بإضفاء نعوت جديدة على الألفاظ.

ليس في الإحالة على جوانب من فكر “ثورو” أدن ترف فكري أو تشدق بمفکرین غرباء عن القارئ المسلم العربي، وإنما في هذه الإحالة إشارة إلى أن الإنسان عبر الثقافات المختلفة والفترات المتباعدة سيظل تؤرقه نفس الأسئلة و تقض مضجعه نفس الهموم. فسؤال “التنمية” كما يرد عند هذا المفكر هو السؤال نفسه الذي اعترض طريق أكثر من مفكر في فضاء الثقافة الإسلامية العربية وتاريخها. يكفي أن نجد لهذا السؤال اللغة المؤثلة الي يستسيغها العقل الإسلامي العربي حتى تحرك فيه الرغبة في صياغة الإجابة.

باختصار، يمكننا القول بأن السؤال الذي يؤرق الفكر الغربي ممثلا في “ثورو” ومن تشيع لفكره في الثقافة الغربية منذ القرن التاسع عشر على الأقل هو كالتالي: “كيف تستحضر النعم إلى حضرة الإنسان في حضارته، دون أن يفضي هذا الاستحضار إلى الاحتضار ؟” أو إن شئت قلت بلغة ابن خلدون: “كيف تخرج الأمم والشعوب من طور الترحال والبداوة إلى طور الحضارة دون أن يشكل هذا الطور الجديد “نقطة وقوف” في حياة هذه الأمم؟” وأما إن أردت التحدث بلغة الصحافة اليومية فسيكون السؤال: كيف نحقق “التنمية” من موقعنا كعرب ومسلمين دون أن نحتاج إلى التخلي عن مقومات الشخصية الإسلامية والعربية و مرتکز اقما؟

 مفهوم التنمية من الترجمة إلى التأثيل

لقد صادفت وأنا بصدد البحث عن جواب السؤال التنمية كتیبا حائل اللون، سيئ الطبعة، صغير الحجم، ما كان ليشد انتباهي لولا عنوانه الجذاب المعبر: “البركة في خدمة المؤسسة” (La Baraka au service de l‘entreprise).[7] فقد أعجبني في هذا العنوان مزج صاحبه بين شيئين متنافرین متباعدين في أذهاننا اليوم: البركة وهي لفظة تحيل على شيء يتعذر رسملته، والمؤسسة وهي تحيل على رؤوس أموال مضبوطة وقوانين صارمة. ولقد هرعت للتو واللحظة لقراءة الكتاب طلبا للمزيد من التوضيح بخصوص طبيعة العلاقة بين البركة والمقاولة، فوجدته يتمحور حول فكرة أساسية يسعى الكاتب إلى إثباتها عبر سرد سلسلة من التجارب الميدانية في مجال المقاولة. فباختصار، يعزو الكاتب أسباب فشل المؤسسة في الوطن الثالثي إلى الفساد الإداري و تفشي الغش والرشوة وسيادة الفوضى والاعتباطية في التدبير، كل هذا في غياب البركة التي كانت تصلح كما المقاولة قبل دخول الاستعمار وتعميمه لمجموعة من القيم الحديثة المادية في الجوهر . وبعد هذا ينتقل الكاتب إلى رسم معالم هذه البركة وتحديد معناها مؤكدا ضرورة تحصيلها من أجل ضمان نجاح المؤسسة، نجاح الفرد والجماعة.

إن مضمون الكتاب يظل، في اعتقادي، قاصرا عن إشباع رغبة القارئ في الوقوف بما فيه الكفاية على طبيعة العلاقة بين البركة والمؤسسة. لكن الكتاب، وبغض النظر عن توفق صاحبه في التحليل والدراسة، يدشن وعيا خاصا بمسألة غاية في الأهمية، فضلا عن أن صاحبه يصدر عن تجربة ميدانية. ويكفي الكتاب أهمية أن عنوانه يفتح حقلا جديدا للبحث في وسائل تحقيق التواصل بين البركة بوصفها هبة سماوية متزلة معطاة، والمؤسسة بوصفها إنجازا ماديا تقنيا متعلقا بشؤون التسيير والإدارة، وهذا شيء يدخل في صميم الحديث عن التنمية التي نحن بصدد الخوض فيها.

اليس نجاح المؤسسة رهينا بإتقان علم التسيير و الحصول على أعلى الدرجات المدرسية أو الجامعية فيه؛ فقد يفشل المتبحر في علم المقاولة في إدارة أصغر المقاولات، وقد ينجح الجاهل بهذا العلم في تسيير أعظم المقاولات. والأمر في هذا الباب راجع إلى تحصيل البركة أو عدم تحصيلها.

ويدل الاشتقاق على أن البركة كلمة تفيد معان الوقوف والثبات والإقامة. فقد يبرك البعير، أي يستنیخ و يتوقف؛ وسميت “البركة” كذلك “لإقامة الماء فيها” وهي كالحوض. وبهذا المعنى تصير البركة هي الحوض الذي يحد حركة الإنسان المبدع وينتهي عنده فعله في مجال المقاولة وغيرها؛ إنما الشيء الذي يصبغ السكينة والاطمئنان على الفعل، ويضفي المعين على الحركة، إذ ليس كل فعل مفض إلى السكينة وليست كل حركة متوفرة على معنى. فقد يخرج الفعل بالإنسان إلى حد القلق وقد تخرج الحركة به إلى حد العبث إن افتقد ما به يصلحان. ولعل ما يصلح به فعل الذكاء الإنساني وحركته هو شيء ليس من جنسهما، إذ أن كل إبداع على مستوى الفعل والحركة، وكل تطور لن يفضي سوى إلى فعل وحركة. لذلك يحتاج الفعل وتحتاج الحركة إلى شيء يكتسيان به المعين ويحصلان بواسطته السكينة والطمأنينة والتوقف.

ليس أنفع لفعل المؤسسة وأجلب له معنى من التزام صاحبها بالحدود الدينية والثقافية والجغرافية، ولعل هذه الحدود محتمعة هي البركة التي تجعل من فعل المؤسسة فعلا ناجحا. إن شرط النجاح في الفعل، مطلق الفعل، هو أن يأتي استجابة لرغبة الإنسان وتلبية لحاجاته الأصلية لا حاجات غيره. فكلما ارتفع هذا الشرط، ارتفعت معه أسباب النجاح، ونزل الفعل الإنساني متلة الفعل المقلد لا الفعل المبدع.

ولما كان شرط النجاح في الفعل أمرا يقتضي الوقوف عند الحاجة المحلية الذاتية لا الغيرية، كان تحصيل هذا الشرط يحتاج إلى إحساس قوي بالمكان وبالحضور فيه. ولعل هذا الإحساس هو الحد الجغرافي الذي يحيط بالفعل الإنساني ليكسبه المعنى والقوة، فيدفع عنه الضعف والعبثية. فليس على ساكن الصحراء حرج في أن يطلب الوسائل التي يخفف بها عن نفسه من وطأة الحرارة صيفا، ومقدار ؛ أما أن يجتهد في أن يحصل على ملاعب للتزحلق على الجليد، لا لشيء سوى لأن تحصيل هذا الغرض ممكن من ناحية التصور العقلي والإمكان التقى، فهذا ما يزج به في العبث. إن تحديد الغايات من إتيان الفعل يحتاج إلى حس انتماء جغرافي يحده حتى يمنعه من التسيب إلى درجة يصبح عندها الفعل أقدر على جلب المضرة منه على جلب المنفعة.

وأما فعل الانتماء الجغرافي اللازم لتسديد الفعل، فمحتاج بدوره إلى الحس الدين، إذ ليس أكثر من الدين تكريسا لوعي الإنسان بحضوره في المكان. على خلاف كبير مع الاجتهادات الفلسفية التي سعت ولا تزال تسعى لتحدد نقطة انطلاقة التاريخ، يعزز الدين إحساس هذا الإنسان بأن حضوره في المكان (کینونته) أمر سابق، وأن “عولبته” وإدخاله بواسطة العقل في التاريخ” هو أمر مسبوق. فالحس الدين يصبغ النسبية على القراءة البعدية للحدث المتمثل في بزوغ الإنسان على سطح التاريخ، فيحرر الفعل من مقاصد الغير المتحكم أو المتسلط على هذا التاريخ.

ومتى حصل الإنسان الإحساس بنسبية التاريخ بواسطة الدين، وتقوى لديه الإحساس ببعده الجغرافي المكاني، انتقل إلى طور الثقافة ليشحذ مهاراته في تفاعل مع مكان وزمن وجوده. وتكون ثقافته بهذا المعنى هي الحوض الذي يسيج مهاراته الصناعية و إبداعاته التقنية بالمعن. وبتجاوز هذا الحوض الثقافي القائم بدوره على الحس الدين و الجغرافي، تصبح المهارات الصناعية و التقنية هدفا في حد ذاتها، تستدرج الإنسان من تاريخه ومكانه التزج به في عالم لا حظ له منه إلا التقليد. أيعني هذا كله أن الثقافة تمثل عائقا أمام استشراف الإبداع الوافد من خارج الحوض أو البركة الثقافية الأصلية؟ طبعا لا! إن الحس الثقافي بالمعنى الذي نحن في صدد توضيحه في هذا المقام يشكل مصفاة تسعف الإنسان في التمييز بين ما هو مطلب ذاتي، فتسمح بتسر به على وجه مخصوص، وبين ما هو مطلب و همی فتمنع دخوله. وليس في هذا القول ما يفيد استحالة التلاقح بين الثقافات المختلفة. فالثقافات، متى كانت تعبر عن تفاعل مع المحيط الجغرافي للإنسان بناء على حسه الدين المخلص له من “التاريخ المطلق” ارتقت بهذا الإنسان ارتقاء طبيعيا وأمكنها التلاقح فيما بینها، تلاقحا يغني كل واحدة منها. وأما إن افتقرت هذه الثقافات إلى ما به تميز بين المطلوب الذاتي وغيره، تعذر عليها التلاقح ولم يعد يجمعها بعضها بعض سوى التناسخ. ومع هذا الوضع تصرف الثقافات همها إما لتكون نموذجا مجردا يحتذى، أو لتكون مقلدا يعتدي بنموذج ثقافي محرد. ومع هذا الوضع يتسيب المعنى المقرر للثقافة في بعدها الديني المخلص للإنسان من هيمنة “التاريخ المطلق”، وفي بعدها الجغرافي المخلص له من هيمنة النموذج المطلق.

ما ينطبق على العلاقة بين البركة والمؤسسة من قول، ينطبق بشكل أعم على العلاقة بين البركة والتنمية. إن التنمية بوصفها فعل توسع يقصد به استنقاذ الإنسانية أفرادا وقبائل وأما من يد البؤس والشقاء في الطبيعة، ثم الإفضاء بما إلى التنعم فيها بواسطة ما تتيحه من وسائل و امکانات، هي في حاجة إلى فعل مغاير لطبيعة فعلها، حتى تدفع عنها آفة التسيب، فتستديم النعمة وتستدفع النقمة.

طلب أحد الأمراء يوما من أحد جلسائه أن يحدثه فقال : حدثنا عن الأعراب وضنك عيشها، حتى نتذكر النعمة التي أصبحنا فيها”. فما أحوج العالم اليوم، عالم الحداثة “المثبتة” الذات الإنسان، إلى التفاتة مثل التفاتة هذا الأمير، إلى حديث من نوع خاص يذكر العالمين بالنعم التي أصبحوا فيها مقارنة بما كانوا عليه من شقاء في أزمنة غير بعيدة عنا. إن للحديث وظيفة تذكيرية يحتاج إليها العالم اليوم حتى يجنب الأجيال القادمة ما بعد به منطق العولمة الاقتصادية من انتحار. ليس العالم في حاجة إلى مزيد من التوسع في الإنتاج. إن المطلع على أمور الدول الغنية اليوم، يعلم أن مشكلة معامل الإنتاج أصبحت هي إيجاد فضاء لخزن السلع المنتجة. لقد تحقق للإنسان بفضل وسائل الإنتاج وفرة في الملبس والمأكل والمشرب، كما بلغه التوسع في التنمية مرتبة من الغي المادي هي من الفحش والترف أقرب منها من شيء آخر. ومع هذا الغي يتحدث عن أزمات اقتصادية هنا وهناك في داخل الغرب. ليس مصدر هذه الأزمات طبعا سوى العجز عن التوسع، ولربما يكون في هذا العجز عن التوسع ما ينفع الناس وينقذهم من التهالك نحو وضع غير محمود العواقب؛ إلا أن العقل المشتغل بالتنمية، من حيث كونه تمرسا على التوسع، يجتهد علی مستوى الذكاء التقني والتدبير المادي لتجاوز وضع العجز، فيوسع مجالات حركته غير آبه بما يحدثه توسعه من ضرر. ولعلنا أمام هذه الأزمات في حاجة إلى حديث تذكيري يقرب إلى الأذهان أن لغة الأرقام والنسب تعكس أزمة مفتعلة ناتجة عن نظرة توسعية لشؤون التنمية. إن مقياس الحكم على الأزمات ينبغي أن يكون مقياسا أخلاقيا، فالمعتبر وفق هذا المقياس هو حجم الغين المنتوج وكيفية تحقيق توزیع عادل على العالمين.

كما أن التنمية تحتاج إلى حديث يذكر بالحدود التي يجب أن يقف عندها توسعها، كذلك فخطاب التنمية في حاجة إلى أن يقف من حالة النعمة التي أصبح يتخبط فيها لعالم موقف شاکر. وليس من قبيل الصدفة في شيء أن تركز الديانات على الشكر کرکيزة من ركائز استدامة النعمة. فالمسيحيون مثلا يخصصون لتقديم الشكر يوما من أيام أعيادهم (Thanksgiving) والمسلمون مطالبون بنص الحديث النبوي بأن يداوموا علی الشكر حتى تدوم نعمهم.[8]

إن الشكر والتذكر، على سبيل المثال، فعلان يدخلان في صميم الفعل الذي يترل البركة، ويترل الحدود التي يستقيم داخلها فعل التنمية ويكتسب معناه. ولعل الفعل المطلوب لتتزيل البركة لن يكون إلا فعل عبادة، يسجل بواسطته الإنسان موقف خشوع و تواضع، حتى يدفع عنه آفات التنطع في التوسع. ففي غياب العبادة، يتمادى الإنسان في بسط نظامه في الإنتاج والربح والكسب بسط من يريد التحكم في أسباب الرزق، حيث يظن أن لا طريقة ممكنة في الاسترزاق إلا طريقته التي ارتضاها، ولا أسلوب إلا أسلوبه الذي انتهجه. ولعل العولمة الاقتصادية خير تمثيل على توحيد طرائق الاسترزاق.

ويسوقنا الحديث عن توحيد طرائق الاسترزاق إلى الحديث عن التنمية وإدماج الإنسان في محيطه الاجتماعي والاقتصادي. فليس أقوى من هذا الحديث عن إعادة إدماج الإنسان في محيطه دلالة على مقصود التنمية و مبتغاها من شعوب العالم المسمى ناميا. نحن نعلم أن الأصل في الأشياء هو أن يكون الإنسان ابن بيئته، يحسن التواصل في هذه البيئة، كما يحسن التصرف والكسب اعتمادا على مهارات تعتبر حصيلة تفاعل أجيال وأجيال مع هذه البيئة. إذا كان الأمر كذلك، فما معن أن يتحدث عن إدماج الإنسان في محيطه؟ الحاصل هو أن مجموعة من العوامل جعلت الإنسان يتجرد من بيئته ووسطه، فيفقد لغة التواصل مع هذه البيئة، كما يفقد جميع المهارات اللازمة له ليكون فعالا في وسطه. ولعل أولى هذه العوامل هي المدرسة. لقد قام التدريس “المعاصر” بدور مهم في إحداث قطيعة بين الإنسان ووسطه. وقد كانت نتيجة عهود من التمدرس أن أصبحت الشعوب المتخلفة تتوفر على جيوش من الطاقات العاطلة التي هي في حاجة إلى إعادة إدماج. والقصد من إعادة الإدماج هو أن يكون على طريقة مخصوصة تحددها جهات معينة وتفت في صلاحيتها عقول محردة “موضوعية”. والواقع أن الحديث عن إعادة الإدماج يمثل قمة في الدجل والاستخفاف بعقل الإنسان. لقد قامت الدول المتقدمة المستعمرة “بإعادة عجن” المجتمعات المستعمرة بعد أن تمكنت من هدم منظومات هذه الشعوب القيمية والتربوية، وهي الآن تطالبهم بالانخراط في العولمة الاقتصادية على الوجه الذي تريده، حتى تربط مصير اقتصادهم بالاقتصاد العالمي، فيسهل عليها التمكن من ينابيع الاسترزاق عندهم، وهل من حيلة للتحكم في طرائق استرزاق الإنسان أعظم من فصل هذا الإنسان عن الأرض وتحريده من المهارات الناتجة عن قرون من التفاعل معها.

ويحضر لي في هذا السياق مثل حي عن أوهام التنمية وإعادة إدماج الإنسان في محيطه الاجتماعي والاقتصادي. فخلال رحلة قمت بها إلى مدينة “فجيج” في شرق المغرب قصد إلقاء محاضرة، قام بعض الساهرين على تنظيم المحاضرة بمرافقي عبر قصور الواحة و تخيلها. وقد استوقفن خلال بحوالي ما قاله رفیقی ونحن واقفون أمام نخلتين عن عملية التلقيح التي تجرى بين الذكر من النخل والأنثى. لقد علمت أن عملية تلقيح النخلة عملية معقدة جدا تستدعي مهارة خاصة وحسا نافذا. وكم كانت دهشتي عظيمة لما علمت بأن الذي كان يقوم بهذه العملية لفائدة مجموعة كبيرة من العائلات هو شخص أعمى وافته المنية منذ فترة، وأخذ معه مهارة التلقيح. وبالمقابل، علمت من بعض الشباب الواقف معنا أ م لا يجهلون كل شيء عن عملية التلقيح فحسب، بل لا يميزون بين ذكر النخل وأنثاه. فقلت في نفسی: “شتان بين أعمى يتسلق النخلة ليلقحها، وبين شباب مبصر يجهل كل ش يء عن النخلة”. فلم يكن نظام التعليم عندنا في حاجة إلى أكثر من عقدين أو ثلاثة حتى يفصل بين الإنسان والنخلة مصدر عيشه وضمان رزقه وكسبه. لقد كان للنخلة دور مركزي في حياة الإنسان في هذه الواحة، والعلامات الدالة على ذلك كثيرة. ما زلت تحد الكل جزء من أجزاء النخلة، حية أو ميتة، وظيفة في حياة الواحة؛ فمن النخلة يتخذون قوائم تقوم عليها بيوتهم، ومنها يصنعون كراسي يجلسون عليها، ومنها يستخرجون الثمرة التي يدخرون لمواسم الخصاص وما إلى ذلك… فكون الأعمى يقوم بأكثر الأعمال المتعلقة بالنخلة تعقدا، وكون الشباب يجهل أبسط أبجديات هذه الشجرة، هذا يدل على منعرج خطير في حياة ثقافة الواحة. وبالفعل، لقد تأتي لي أن أقف على هذا المنعرج وأنا أستمع للشباب المتعلم يتحدث عن التنمية ويسأل عن إمكانيات تحصيل الدعم من فيل هذه الجمعية الأجنبية أو تلك من الجمعيات المتخصصة في تنمية المناطق مثل منطقتهم. وهيهات أن تعيد جمعيات الأرض محتمعة للشباب العاطل حسهم المفقود والمهارات التي فوت عليهم التعليم اكتسابها في وسطهم الطبيعي. فدور الجمعيات المهتمة بشؤون التنمية يكمن في توظيف مثل هذه الطاقات بقصد ربط الاقتصاد المحلي بالاقتصاد الكوني، وهي بذلك جمعيات تكرس التبعية و تعبد الطريق أمام “فتوحات العولمة”. ولذلك تجد السياسة الاقتصادية العالمية، إذ تضيق الخناق على السياسات الاقتصادية الوطنية وترغمها على الحد من إعاناتها ومساعداتنا، توكل أمر هذه الإعانات إلى جمعيات غالبا ما تكون من العالم “المتقدم” حتى تستدرج الطامعين في التنمية إلى سوق يصعب النجاح فيه أو الخروج منه بربح دون الخضوع التام لإملاءاته .

لقد قام الإعلام بدور كبير في تحضير المخيال في الثقافات المسماة متخالفة ليقبل بالمعنى الذي تقرر للتنمية في المجال التداولي الغربي المعاصر، وهو معنى “التنمية الاقتصادية” المجردة عن الحس الجغرافي والانتماء الثقافي والاستشراف الروحي. لذلك تجد الكثير من مثقفي العالم الثالث وشعوبه يجتهدون لتحصيل ما يرفعهم درجة أو درجات في سلالم التنمية المادية، ظنا منهم أن الحصول على قدر أكبر من الدراهم و من الآلات هو بالضرورة أنفع لهم. وقد يحتاج المرء إلى سنوات من التربية حتى يقنع الشباب المعرض لوسائل الإعلام، وخاصة الوصلات الإشهارية النافذة إلى عمق الوجدان، والمحركة للشهوات، أن س ياقة هذه السيارة أو ارتداء هذا الحذاء أو استعمال هذه الآلة ليس بالضرورة مفتاحا للسعادة ولا مؤشرا على التقدم. إن الصورة والرمز يساهمان بشكل واسع في حث العقول علی اتخاذ النموذج الغربي مثالا على “التنمية الناجحة. والحاصل أن “التنمية الاقتصادية” تحسد قمة الاشتغال بالمنطق المادي التراكمي والإلحاقي؛ فمقياس الحكم على التقدم وفق ه ذا المنطق هو مدى تحصيل الإنسان للمال، بغض النظر عن القيم الروحية المحسمة لاطمئنان الإنسان ورضاه وسكينته و تمتعه بوجوده.

وإذا كانت “التنمية الاقتصادية” فعلا مرادفا لطلب المال والاستزادة من المادة، فما أحوج هذا الفعل إلى ما يسدده حي لا يعمي طالب التنمية عن الأبعاد الأخرى الى تكسب وجوده معن. لقد بلغ نقد “التنمية الاقتصادية” درجة عالية من النضج عند مفكرين من أمثال طه عبد الرحمن؛ ففي إشارات عميقة يتحدث هذا الفيلسوف عن تزكية المال” و”تزكية الحال”، كما يسحب على التنمية معن “طلب الفضل”.[9] إن لهذه الممارسة التأثيلية للمفاهيم دورا بارزا في استعادة الحس اللازم لاستنهاض العقل الإسلامي والعربي نحو مسؤوليته المحددة في ضرورة درء آفات العولمة الباغية. كما أن تصريف هذه المفاهيم في لغة يفهمها الآخرون كفيل بتذكيرهم بالشيء الذي به يستقیم وضع “التنمية الاقتصادية” . إن مصطلح التركية و الفضل، يضفيان على المعاني المقررة للتنمية ما تحتاج إليه حتى يصبح فعل التنمية فعل عبادة يفتح أمام الإنسان إمكانات الاغتناء، ويسد أمامه باب الطمع في الملكية المطلقة التي تجسدها رغبة أرباب العولمة في التمكن م ن أسباب الاسترزاق في العالم. فمتى انتفى بعد العبادة عن فعل التنمية، ارتفعت الحدود التي تقف عندها استباحة الإنسان للطبيعة. ولعل الحديث عن “التنمية المستديمة” يشير بوضوح إلى ضرورة تحصيل ما به يتوقف الاستتراف الأحمق لثروات الأرض. فمن العبث التمادي في تجاهل البعد الأخلاقي الدين ثم الإصرار على إيجاد حلول تقنية ورقمية وعددية وعلمية وعقلية من جنس الحلول التي قامت عليها التنمية نفسها. إن هذه الحلول لن تزيد الوضع إلا اختناقا وتعقدا وانغلاقا .

بحمل في نهاية هذا المقال القول في شأن “التنمية” ومعايبها وما اعتبرناه كفيلا بدفع هذه المعايب. ونأمل أن يكون قد استقر في ذهن القارئ أن التنمية كمفهوم غربي الأصل هي فعل يؤمل من وراءه عتق الإنسان من قيود الحالة الطبيعية، ثم الانطلاق في مسلسل الاستغناء بالأشياء، حتى إذا تأتي لهذا الإنسان أن يبلغ من الغي المادي ما يكفيه لضمان التمتع، تمادى في فعل الاستغناء بالأشياء تماديا يجلب عليه النقمة ويفتح عليه باب القارعات. ولما كان مفهوم التنمية يحمل أمره على أنه يحرك العقل نحو النمو الدائم والمستمر كما تستبطن ذلك لفظة التنمية ذاتها، بات من اللازم أن التنمية ليست هي ما به يحسن دفع آفاتها، وإنما تحتاج إلى ما به تستقيم، فتقف بالإنسان عند مرتبة النعم دون أن تنحدر به نحو النقم.

ولو سلمنا نظریا، دون مساءلة النوايا، بقدرة العولمة على تنمية العالم ورفع مستوى الغني بين أفراده و مستوى الجاهزية التقنية والثقافية بين شعوبه، فإننا لن نسلم بقدرتها على دفع القارعة التي من الممكن أن تنتج عن هذا الغي. إن العولمة الاقتصادية، إذ هي في غين عن إبداعاتنا المادية، لكون أصحابهما يملكون من وسائل تحقيق الربح واستخراج الخيرات والثروات ما يكفي، تحتاج إلى من يرسم لها الحدود التي يلزمها الوقوف عندها. لذلك فمساهمة المثقف المسلم العربي لا تكمن في الإبداعات الرقمية والحسابية والإحصائية والمادية، إذ أن تقلبه في الحديث عن هذه الأشياء ظهرا وبطنا لن يزيده إلا انغماسا في النموذج الذي أبدعته التنمية؛ بل إن مساهمة المثقف المسلم العربي تكمن في اعتقادنا، في استثماره للغته المؤثلة في تجربته الروحية من أجل تحت مفاهیم قادرة على توسيع المفهوم المقرر للتنمية في المجال التداولي في عالم اليوم.

إذا تأتي لهذا الإنسان أن يبلغ من الغي المادي ما يكفيه لضمان التمتع، تمادى في فعل الاستغناء بالأشياء تماديا يجلب عليه النقمة ويفتح عليه باب القارعات

د. خالد حاجي

ونحسب أننا بالحديث عن البركة والتركية و الفضل نكون قد وفقنا في محاولة ربط فعل التنمية بالفعل التعبدي الصحيح الذي من ميزاته أنه وإن رفع الحرج عن الإنسان في استعمال الطبيعة، أمده بالحدود الفاصلة بينه وبين تأليه ذاته. فطالب التنمية في حكم طالب أسباب القوة الذي لا يأمن أن يسقط في منطق الطغيان إن هو افتقر إلى التقوى، أي إلى قوة ليست من جنس قوته. كذلك فالبركة تعترض طريق فعل التنمية لتحول بينه وبين إلحاق التدمير والفساد بالأرض. ولئن كان شرط تحقيق التنمية هو إعمال الذكاء الإنساني من أجل إبداع الإمكانات ووسائل التمكن، فإن تحصيل البركة يشترط فيه الإيمان والتقوى؛ فبهما يسجل الإنسان موقف خشوع أمام المطلق وخضوع لقوته التي لا تقهر، فيعزف عن الطمع في امتلاك خزائن الغي والتحكم في ينابيع الاسترزاق.

فمن غاب بعد التعبد، ظل النقاش حول التنمية نقاشا تقنيا حبيس نموذج واحد في الكسب والسعي والاستغناء، فاستعصى على العقل الإنساني أن يضيف شيئا جديدا. إن غاية ما يمكن أن يبدعه هذا العقل هي آلة جديدة توضع موضع آلة قديمة. وهذا العقل المبدع داخل حدود الحقل الذي رسمه خطاب التنمية يعلم المنافع الآنية لألته المقترحة الجديدة ويجهل تمام الجهل ما يمكن أن يؤول إليه الاشتغال بهذه الآلة من مضرة لاحقة. فالإبداع داخل حقل التنمية هو بمثابة استبدال شيء قديم وقفنا على النتائج السلبية للاشتغال به بشيء جديد يتجاوز هذه النتائج السلبية ليحدث نتائج أخرى أكثر س لبية. وكان حري بهذا العقل أن يفتح باب الإبداع في مجال المادة “وطلب المال” علی باب التفكير في “حسن الحال والمال”. وهل من سبيل إلى التوفيق بين هذا وذاك إلا س بيل العبادة؟

لقد ابتدع الغرب نموذجا للتنمية ووفق في أسر دول العالم الثالث في هذا النموذج. ولا دليل أنصع على هذا التوفيق من تفشي الحديث عن الأرقام الدالة على التنمية في أوساط المثقفين. ولكم تضيق نفس الإنسان ذرعا وهو يقرأ أو يسمع من محللين واقتصاديين مكترثين بأمور التنمية بأن العدد اللازم من الحواسيب لضمان التنمية هو كذا، وبأن عدد الصحف والجرائد في المجتمع الذي حقق أعلى نسبة في التنمية هو كذا، و بأن عدد أجهزة التلفاز في هذا المجتمع المتقدم هو كذا، وبأن وبأن وبأن … فمن الذي ربط في أذهان هؤلاء العينة من البشر بين مستوى التنمية والتوفر على هذا القدر أو ذاك من الوسائل والأدوات سوى منطق التراكمات المادية والغي بالمال والاستغناء بالأشياء؟ أو لسنا بهذه الأرقام نضلل الإنسان ونلقي به إلى التهالك في سوق الاستهلاك فنحرمه إمكانية استشراف حياة ملؤها الاطمئنان بعيدا عن عالم “السوق الكوني”؟

العبرة في الحس الثقافي والأخلاقي الذي لا يستحث الإنسان على الاستغناء بالأشياء إلا بالقدر الذي لا يتحول معه التراكم في المادة إلى عائق يحول بين الإنسان وبين الوقوف على حقيقة حضوره في عالم ليس من صنع يديه

د.خالد حاجي

مفكر وباحث مغربي مقيم بألمانيا

وأعرج في حماية هذا المقال على قصة امرأة عجوز، سمعتها أثناء رحلتي التي س بق وأن ذكرت بأني قمت بما في إطار محاضرة إلى مدينة فجيج في المغرب. فقد روى لي بعض الشباب من الذين رافقوني خلال جولة عبر مدينتهم عن امرأة عجوز اصطحبها أبناؤها اللعيش معهم في مدينة مغربية أخرى، مدينة وجدة. وبعد مرور بضعة أيام، أصرت هذه العجوز على أن يعيدها أبناؤها إلى موطنها. وتعجب الكل كيف تقبل بالعودة إلى الصحراء وضيق العيش وترفض الحياة في مدينة تحضر فيها جميع أسباب الحياة الرغيدة بالنسبة لامرأة وحيدة وعجوز. وبعد أن أصر الأبناء على أن تفسر لهم سبب هذا الاختيار، قالت: “أريد أن أرى الله ! ففي هذا المكان لا يرى”. لا أظن أن الحواسيب وأجهزة الترفيه ونقل الأخبار من جرائد و محلات و دور للسينما بلغ الإنسان ما بلغه تأمل هذه العجوز النجوم والقمر من اطمئنان وإيمان. بل إن الكثير من الأجهزة التي ترتبط التنمية باقتنائها، إنما تتحول إلى حجب تحول بين المرء وبين تدبر حضوره في الكون و تمسكه بكينونته. فلست أظن أن قارئ يومية “Bild Zeitung” أو “washington Post” أو محلات نجوم الفن والسينما أكثر تحقيقا لذاته ووعيا بكينونته من هذه المرأة العجوز.

تمثل هذه العجوز حالة من حالات البطولة الأخلاقية المجسدة لتجاربنا الروحية القادرة على الصمود في وجه العولمة. ليست العبرة من هذه الحالة هي الرجوع إلى الصحراء أو النكوص للدفاع عن مواقع التخلف التقني والحضاري؛ وإنما العبرة في الحس الثقافي والأخلاقي الذي لا يستحث الإنسان على الاستغناء بالأشياء إلا بالقدر الذي لا يتحول معه التراكم في المادة إلى عائق يحول بين الإنسان وبين الوقوف على حقيقة حضوره في عالم ليس من صنع يديه. إن مثل هذه العجوز يمدنا بالقاعدة الأخلاقية التي نؤسس عليها نقدنا للتنمية والعولمة، وسعينا نحو تأثيث فضائنا تأثيثا لائقا لا يخرج عن حدود الاعتدال. أما في حال ابتعادنا عن هذه القاعدة الأخلاقية الثقافية، فلن نزداد إلا تيها في عالم التقليد وركضا وراء مطلوب لن يلحق، وسنساهم في حرمان أنفسنا من الحق في تحديد ما نحتاجه وما لا نحتاجه حتى نرسخ ذواتنا ترسيخا لا يخرجنا من مكاننا وزماننا.

—————————————-

الهوامش

[1] – Arundhati Roy, “Défaire le développement, sauver le climat »>, Défaire ledéveloppement, refaire le monde. L’Ecologiste, numéro spécial (Hiver 2001) n°6, volume2, No4, P7.

[2] – Russell Means: “Fighting Words on the Future of the Earth” in Questioning Technology: A Critical Anthology. (London: Freedom press, 1980)

[3]  – نحيل هنا على كتاب مهم في هذا المجال:

The Paradox of Plenty: Hunger in a Bountiful World. Ed. Douglas H. Boucher (Oakland, California: Food First Books, 1999)

[4] – Henry David Thoreau. Walden and Civil Disobedience. Ed. Owen Thomas (New York: W.W. Norton, 1966) p.17.

[5] – Thoreau, Walden, p.16.

[6] – Thoreau, Walden, p.17.

[7] – Ben Rochd Er Rachid. La Baraka au service de l’entreprise (Casablanca: Déchra,1999).

[8]  – – قال رسول الله : “لا يشكر الله من لا يشكر الناس” انظر سنن أبي داود: كتاب الأدب – باب في شكر المعروف، الحديث رقم: 4811، ج:2، ص: 671.

[9]  – انظر مساهمة الأستاذ في الندوة التي نظمتها مجلة المنعطف تحت عنوان: مستقبل الحضارة: إكراهات العولمة وإمكانات التجاوز. وقد نشرت أعمال هذه الندوة في مجلة المنعطف. طه عبد الرحمن الآفات الخلقية للعولمة: كيف يمكن درؤها؟” مستقبل الحضارة: إكراهات العولمة وإمكانات التجاوز (وجدة: المنعطف، 2002). العدد 20.