تعددت طبعات كتاب “المنتقى” لأبي الوليد سليمان بن خلف الباجي (403-474هـ / 1013-1081م)، لكن أولى طبعاته تعود إلى 110 سنوات خلت (أي سنة 1332هـ./ 1913-1914م)، في سبعة مجلدات، وكان ذلك على عهد السلطان مولاي عبد الحفيظ ملك المغرب وبأمر منه، و”المنتقى” هو شرح لكتاب “الموطأ” للإمام مالك بن أنس عالم مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

شـروح الباجي على الموطأ

لأبي الوليد الباجي ثلاثـة شروح على الموطأ، وهي: “الاستيفـاء” الذي اختصره في “المنتقى”، ثم لخص “المنتقى” في كتاب “الإيماء”، ووصلنا منها فقط شرحه الأوسط “المنتقى” بينما الآخرين في عداد الكتب المفقودة.
ويتميز كتاب “الاستيفاء” بغزارة مادته العلمية، مما يجعله موجها إلى العلماء والفقهاء، حيث يلزم قارئهاستيفـاء جملة من العلوم، وأن يكون واسع الاطلاع وله قدرة على سبر المعاني، مما لا يتوفر لمعظم الناس من أهل زمانه، وهو ما دفع الباجي إلى اختصاره وتيسير محتواه في شرحه الثاني “المنتقى”.
واعتنى الباجـي في “المنتقى” عناية كبيرة بالناحيتين: الحديثية والفقهيـة، وسعى هذا العالم الكبير من خلاله إلى ربط مسائل الفقه بأصولها من الكتاب والسنة. وشهد له العلمـاء الأعلام بأنه من أحسـن شروح الموطأ وأكثر ها نفعا.
ولعلماء الغرب الإسلامي شروح متعددة على كتاب الموطأ من أشهر من ألف فيها ابن عبد البر القرطبي (368- 463هـ / 978 – 1071م) في كتابيه: “التمهيد” و”الاستذكار”، وقد جمع ابن زرقون (502 – 586 ه‍ / 1108 – 1190م)، ابو عبد الله محمد بن سعيد بن احمد الانصاري، بين “المنتقى” و”الاستذكار ” في كتاب واحد عنونه بـ”جوامع أنوار المنتقى والاستذكار”.

دوافع تأليف المنتقى

في مقدمة “المنتقى” يوضح الباجي أن تأليفه كان بطلب التمس فيه صاحبه اختصار شرحه الكبير عل الموطأ المسمى “الاستيفاء” بقوله: “وفقنـا الله وإياك لما يرضيـه فإنك ذكرت أن الكتاب الذي ألفت في شرح الموطأ المترجـم لكتاب الاستيفـاء يتعذر على أكثر الناس جمعه ويبعد عنهم درسه لا سيمـا لمن ليس يتقدم له في هـذا العلم نظر ولا تبين له فيه بعـد أثر، فإن نظـره فيه يبلد خاطره ويحيره، ولكثرة مسائلـه ومعانيه يمنع حفظه وفهمه وإنمـا هو لمن رسخ في العلم وتحقق بالفهــم”.

منهج الباحي في شرحه “المنتقى”

ويخبرنا أبو الوليد الباجي عن منهجه الذي اتبعه في كتاب “المنتقى” حين قال في مقدمته: “ورغبت أن أقتصر فيه (أي المنتقى) على الكلام في معانـي يتضمنه ذلك الكتاب (يقصد الاستيفاء) من الأحاديث والفقه وأصـل ذلك من المسائل بما يتعلق بها في أصل كتاب “الموطأ” ليكون شرحـا له وتنبيهـا على ما يستخرج من المسائل منه ويشير على الاستدلال على تلك المسائل والمعانـي التي يجمعها وينصهـا ما يخف منتها ويقرب ليكون ذلك حظ من ابتدأ بالنظر في هذه الطريقة من كتـاب الاستيفاء إن أراد الاقتصار عليه، وعونـا له إن طمحت همته إليـه”.
ويضيف قائلا: “فأجبتك إلى ذلك وانتقيتـه من الكتاب المذكور على حسب ما رغبتـه وشرطته وأعرضت فيه عـن ذكر الأسانيد واستيعاب المسائل والدلالـة وما احتج به المخالف”.
وتابع: “وسلكت فيـه السبيل الذي سلكت في كتاب الاستيفاء من إيراد الحديـث والمسألـة من الأصل ثم اتبتعت ذلك بما يليـق به من الفرع وأثبتـه شيوخنا المتقدمون رضي الله عنهم وسد من الوجوه والدلائـل”.

دعوة “المنتقى” إلى التعددية

عاش الباجي في عصر ابتلي فيه الناس بعلماء اختاروا الجمود وعدم قبول الرأي المخالف، مما جعل رجلا مثله يعيش بعض المحن لاختياره آراء مخالفة وهذا ما نجد صداه في دعوته إلى التعددية الفكرية في كتابه “الاستيفاء” وتكرارها في “المنتقى” وهذا ما عبر عنه بصريح العبارة في تقديمه لـ”المنتقى”: “وقـد قدمت في الكتاب المذكور ما لا أخلي هـذا الكتاب من حرف من ذكـره، وذلك أن فتوى المفتي في المسائـل وكلامـه عليها وشرحه لها هو بحسب مـا يوفقه الله تعالى إليه ويعينه عليه، وقـد يرى الصواب في قول من الأقوال في وقت ويراه خطأ في وقت آخـر، ولذلك يختلف قول العالم الواحـد في المسألـة الواحدة فلا يعتقـد الناظر في كتابي أنما أوردته من الشرح والتأويل والقيـاس والتنظير طريقه القطـع عندي حتى أعيب من خالفها، وأذم من رأى غيره وإنمـا هو مبلغ اجتهادي وما أدى إليه نظري”.
وأردف قائلا: “وأمـا فائدة إثباتي له فتبين منهـج النظر والاستدلال والإرشـاد على طريق الاختيار والاعتبار، فمن كـان مـن أهل هـذا الشأن، فله أن ينظـر في ذلك ويعمل بحسب ما يؤدي إليه اجتهاده من وفـاق ما قلتـه أو خلافـه، ومن لم يكن نـال هذه الدرجـة فليجعل ما ضمنتـه كتابي هـذا سلمـا إليهـا وعونا عليها”.