من غرائب التاريخ إن لم أقل من دروسه، أن بلاد الصين كانت في نهاية العصور الوسطى مصدر وباء فتاك كاسح اجتاح معظم العالم المعمور، ظهر بالصين سنة 734هـ/1334م ثم انتشر زاحفا في اتجاه بلدان الشرق والغرب، موقعا الآلاف من الضحايا على مدى خمسة عشر سنة، فشمل بفتكه بلدان الهند والسند وأفغانستان ومعظم أوربا والعراق والشام ومصر والجزائر والمغرب والأندلس.

وصفه المقريزي بقوله “لم يكن هذا الوباء كما عهد، في إقليم دون إقليم، بل عم الأرض شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، جميع أجناس بني آدم وغيرهم، حتى حيتان البحر وطير السماء ووحش البر”.
ومن أعراض هذا الوباء، أن المصاب به يحس بثقل في صدره وضيق في التنفس وبصق للدم مع عطش شديد وسعال وسواد في اللسان وتورم في الحلق يصعب معه بلع الطعام واختناق، وبعد ذلك يموت بعد يومين أو ثلاث.
ومن كثرة قتلاه في الحواضر والبوادي بمختلف المناطق التي مر منها، أطلق على هذا الوباء أسماء وأوصاف، تفضح شدة قسوته وحجم عدد ضحاياه، ومنها “الوباء العام” و”الفصل الكبير” و”سنة الفناء” و”الطاعون الأعظم” و”الموتان”، وسمي في أوربا ب “الطاعون الأسود la peste noire” و”الموت الأسود mort noire”.
وقد وصل هذا الوباء إلى بلاد المغرب سنة 749هـ/1348-49 م، أي في السنة الأولى التي تسنم فيها السلطان المريني أبو عنان حكم المغرب (1348-1358)، وقد عاصره المؤرخ العلامة ابن خلدون (733-809هـ/1332-1406م) وبسببه فقد عائلته وعدد من شيوخه، وفيه يقول : “ما نزل بالعمران شرقا وغربا في منتصف هذه المائة الثامنة من الطاعون الجارف الذي تحيف الأمم وذهب بأهل الجيل وطوى كثيرا من محاسن العمران ومحاها وجاء للدول … فقلص من ظلالها وفل من حدها وأوهن من سلطانها وتداعت إلى التلاشي والاضمحلال أموالها وانتقص عمران الأرض بانتفاض البشر فخربت الأمصار والمصانع ودرست السبل والمعالم وخلت الديار والمنازل وضعفت الدول والقبائل وتبدل الساكن”.

شهادة من ضربات الطاعون الأسود بإيطاليا

ورد بكتاب : “الموت الأسود” للمؤرخ روبرت س. جوتفرد، يروي فيها ما جرى ببلدة “سيينا” Siena بضواحي مدينة فلورنسا الإيطالية، هذا الشاهد يروي بألم مأساة ساكنة هاته البلدة مع هذا الطاعون اللعين، فما أشبه اليوم بإيطاليا بما وقع في أمسها البعيد، ومما جاء في الشهادة المذكورة : “في مايو بدأ الموتان في سيينا Siena ، وكان أمرا … صعبا ومهولا، ولست أدري من أين أبدأ؟، فأتحدث عن فظاظته وقسوته …ويستحيل على امرئ أن يحكي عن الواقع المرعب …فقد كان ضحاياه في معظمهم يموتون على الفور …يتساقطون قبل أن ينطقوا ببنت شفة، وكان الأب يفر من ابنه والزوجة من زوجها والأخ من أخيه، وبدا المرض وكأنه ينتقل من خلال التنفس أو الرؤيا، وهكذا يموتون دون أن يتوافر لدى الموتى من يواريهم … في غيبة الواعظ ودون طقوس دينية… وفي مواضع عديدة بسيينا Siena كانت تحفر خنادق كثيرة، لتتكدس بها أكوام هائلة من الموتى، الذين كانوا يقضون بالمئات ليل نهار … وقد هلك الكثيرون لدرجة جعلت الكثيرين يصدقون بأن تلك هي نهاية العالم”.

إحصائيات صادمة عن الطاعون القادم من الصين لسنة 749هـ/1348م.

في نهاية مقالة مفيدة بعنوان “الفناء الكبير والموت الأسود في القرن الرابع عشر”، الذي يقصد به كاتبه د. علي السيد علي محمود الطاعون الجارف الأعظم، القادم من بلاد الصين سنة 1348م، وردت إحصائية قيمة ونادرة عن خسائر هذه الجائحة العالمية التي لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشر، بعدد من المدن العربية والغربية ومنها نقتطف أمثلة يسمح بها هذا المنبر، وذلك للوقوف على قوة تدميره وحجم قتلاه:

1- قتل الطاعون 40 في المائة من سكان مدينة القاهرة، التي بلغ عدد سكانها يومئذ 500 ألف نسمة.
2- قتل ما بين 38 و50 في المائة من سكان مدينة دمشق، التي بلغ عدد سكانها يومئذ 100 ألف نسمة.
3- قتل ما بين 30 و40 في المائة من سكان مدينة جنوة الايطالية، التي بلغ عدد سكانها يومئذ 100 ألف نسمة.
4- قتل ما بين 30 و40 في المائة من سكان مدينة بيزة الايطالية، التي بلغ عدد سكانها يومئذ 40 ألف نسمة.
5- قتل 35 في المائة من سكان مدينة لندن، التي بلغ عدد سكانها يومئذ 50 ألف نسمة.
6- قتل 35 في المائة من سكان مدينة بريستول الانجليزية، التي تراوح عدد سكانها يومئذ بين 10 و12 ألف نسمة.

أهل سيتكرر هذا الوباء أي وباء كورونا في المستقبل؟

بناء على متابعة وتقدير وخلاصات الباحثين والمتخصصين، أن هذا الطاعون الأعظم لسنة 749هـ/1348م، كان منطلقا لعدد من الطواعين الفتاكة المتوالية، شملت بلدان المغرب العربي، ضربتها في القرون الموالية، وبالرجوع إلى بعض المراجع، وجدنا أن تكرر ظهور الطواعين الكبرى شمل كذلك بلدان أوربا في القرن الخامس عشر وبعده حتى سبعينات القرن الثامن عشر، مما يدفعنا كمتخصصين وباحثين ومسؤولين ومواطنين إلى الحذر من تكرر جوائح أخرى بعد جائحة كورونا الحالية، وحسبنا أن نذكر أمثلة للتأكيد على قلناه، من أوبئة ضربت أوربا فيما تبقى من القرن الرابع عشر وفي القرنين الخامس عشر:
1- تفشي الوباء بين 1360/1363م في فرنسا وكتالونيا وإيطاليا وبريطانيا والسويد والنرويج وألمانيا وبولندا.
2- تفشي الوباء بين 1370/1374م في فرنسا وبرشلونة وإيطاليا وبريطانيا وإيرلندا وألمانيا وبلجيكا.
3- تفشي الوباء بين 1382/1384م في فرنسا وكتالونيا واشبيلية والبرتغال وإيطاليا وبريطانيا وبولندا.
4- تفشي الوباء بين 1390/1391م في فرنسا وكتالونيا وإيطاليا وبريطانيا.
5- تفشي الوباء بين 1399/1400م في فرنسا وكتالونيا وإيطاليا واشبيلية وأوربا الشمالية .
6- تفشي الوباء بين 1410/11412م في أوربا الغربية وليتوانيا وسليسيا في ورمانيا.
7- تفشي الوباء بين 1422/1424م في إيطاليا وبلجيكا والبرتغال.
8- تفشي الوباء بين 1429/1330م في إيطاليا وفرنسا.
9- تفشي الوباء بين 1438/1439م في فرنسا وإيطاليا والبرتغال وبريطانيا وألمانيا وسويسرا وهولندا وبولندا.
10- تفشي الوباء بين 1448/1450م في فرنسا وإيطاليا وألمانيا وهولندا.
11- تفشي الوباء بين 1480/1484م في فرنسا والبرتغال وإيطاليا وبريطانيا وألمانيا وبولندا.
12- تفشي الوباء بين 1494/1499م في فرنسا وإيطاليا وبريطانيا ولوكسمبورغ وألمانيا وبولندا.

ثلاثة كتب في الطاعون الأعظم الكاسح لسنة 749هـ/1348م

ضرب الطاعون الأعظم القادم من الصين بلاد الأندلس أيضا سنة 749هـ/1348م، فقد بدأ انتشاره من مدينة برشلونة ومنها انتقل إلى مدن أخرى مثل ميورقة وألمرية ومالقة وغرناطة وغيرها، فكان عدد ضحاياه في بعض هذه المدن يصل إلى أكثر من مائة قتيل في كل يوم، وقد حملت قسوته وسرعة فتكه وحجم ضحاياه عددا من علماء الأندلس، على كتابة مؤلفات ورسائل في التأريخ لهذه الجائحة، التي اعتبرت في الدول الأوربية المجاورة “قيامة صغرى”، وقد وجدنا من هذه المؤلفات ثلاثة، عجيبها أن نسخا منها توجد بمكتبة الأسكوريال، التي هي في الأصل خزانة الملك السعدي المولى زيدان التي خرجت من آسفي، واستولى عليها القراصنة قبالة سلا يوم 05 يوليوز 1612، ومن ثم نقلوها إلى اسبانيا، وهذه الكتب الثلاثة التي تناولت الطاعون الأعظم، هي :

1- “تحصيل غرض القاصد في تفصيل المرض الوافد” لمؤلفه أحمد بن علي ابن خاتمة الألمري الأندلسي.
2- “مقنعة السائل عن المرض الهائل” لمؤلفه لسان الدين ابن الخطيب اللوشي الأندلسي.
3- “نصيحة في الوباء” لمؤلفه محمد بن علي اللخمي الشقوري الأندلسي.

وقد حققت الباحثة المغربية د. حياة قارة واحدا من هذه الكتب، وهوكتاب “مقنعة السائل عن المرض الهائل”، في حين حقق الباحث التونسي د. محمد حسن الكتب الثلاثة، وأصدرها ضمن سلسة التاريخ بعنوان “ثلاث رسائل أندلسية في الطاعون الجارف”.

الطاعون الاسود خلال القرن الرابع عشر

عند ظهور الطاعون الأسود المنطلق من بلاد الصين واجتياحه العالم في منتصف القرن الرابع عشر، اتخذت مجموعة من التدابير والوسائل الاحترازية الواقية أو المبعدة لتفشيه وللمزيد من مصابيه وضحاياه ، ومن ذلك نذكر مثالين، أحدهما من بلاد الشام والثاني من فرنسا، اعتمادا على مرجعين هما مخطوط “النبأ عن الوبا” لزين الدين بن الوردي الحلبي الذي عاصر الطاعون ومات بسببه سنة 749هـ، ثم على أطروحة جامعية فرنسية أنجزت سنة 1994، بعنوان “طاعون 1347 بفرنسا” للدكتورة Christine Bessaudou.
1- في بلاد الشام اجتاح الطاعون المذكور مختلف بقاعها وقتل كثيرا من سكانها في البوادي والحواضر ومنها دمشق، وعن حال هذه الأخيرة يقول ابن الوردي “ثم سدد الرشق إلى دمشق، فتربع وتميد، وفتك كل يوم بألف أو أزيد، فأقل الكثرة، وقتل خلقا ببترة”؛ ثم تطرق ابن الوردي لعدد من الوسائل التي اعتمدها السكان لدفع الطاعون، ومن أغربها لبس خواتم الياقوت، ومما ذكره من هذه الوسائل التي لجأ إليها أهل الشام، أنك كنت تجدهم “يطالعون من كتب الطب الغوامض، ويكثرون في علاجه من أكل النواشف والحوامض …وبخروا بيوتهم بالعنبر والكافور والسعد والصندل، وتختموا بالياقوت، وجعلوا البصل والخل والصحنا (السمك الصغير المملح) من جملة الأدم والقوت، وأقلوا من الأمراق والفاكهة ، وقربوا الأترنج وما شابهه”.

2- في فرنسا توجه الفرنسيون إلى اضطهاد وتقتيل وإحراق اليهود باعتبارهم مصدر الوباء وناشروه، كما قتلوا الكثير من الكلاب والخنازير دون أن يعملوا على التخلص من الفئران والبراغيت، ودعوا إلى تبخير fumigation الغرف في أول النهار ووسطه وآخره، بحرق خشب شجر العرعار والدردار frêne ونبات اكليل الجبل romarin وبالعنبر والمسك، والامتناع عن الاستحمام بالماء الساخن، وإلى التغذي بالأكلات الخفيفة السهلة الهضم كالخبز المصنوع من القمح المضاف إليه قليل من الشعير، وأكل اللحوم المسلوقة المتبلة بتوابل القرفة والزنجبيل وبالخل وشرب الخمور الخفيفة، والابتعاد عن ما يعكر المزاج من غضب وحزن شديد والتشبت بالأمل والحفاظ على سكينة الروح والتقرب من الله.

ابن بطوطة المغربي كان حاضرا بدمشق زمن الطاعون

ذكر الرحالة المغربي محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي المشهور بابن بطوطة (1307-1377) أنه حضر كشاهد عيان لفصل قاس من فصول الطاعون الداهم بمدينة دمشق، الذي كان يقتل بها يوميا أكثر من ألفين من سكانها، وأعني به الطاعون القادم من الصين سنة 1348م، ويصفه ابن بطوطة ب”الطاعون الأعظم”، وفي شهادته التي هي جزء من مشاهداته التي دونها بكتابه “تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار” يصف رد فعل أهل دمشق في مواجهة الطاعون الفتاك :
“شاهدت أيام الطاعون الأعظم بدمشق في أواخر ربيع الثاني سنة تسع وأربعين (749هـ) … و …أن …نائب السلطان أرغون شاه أمر مناديا ينادي في دمشق، أن يصوم الناس ثلاثة أيام متوالية، كان آخرها يوم الخميس، ثم اجتمع الأمراء والشرفاء والقضاة والفقهاء وسائر الطبقات في الجامع، حتى غص بهم، وباتوا ليلة الجمعة ما بين مصل وذاكر وداع ، ثم صلوا الصبح وخرجوا جميعا على أقدامهم وبأيديهم المصاحف، والأمراء حفاة، وخرج جميع أهل البلد ذكورا وإناثا، صغارا وكبارا، وخرج اليهود بتوراتهم والنصارى بإنجيلهم، ومعهم النساء والولدان، وجميعهم باكون متضرعون إلى الله بكتبهم وأنبياءهم… وأقاموا في تضرعهم إلى قرب الزوال وعادوا إلى البلد وصلوا الجمعة …”.

كمتخصصين وباحثين ومسؤولين ومواطنين ندعو إلى الحذر من تكرر جوائح أخرى بعد جائحة كورونا الحالية

إبراهيم كريدية

باحث ومؤرخ, من آسفي